مقاربة منصفة اجتماعيًا لمعالجة الأزمة المالية

مقاربة منصفة اجتماعيًا لمعالجة الأزمة المالية

العنوان

مقاربة منصفة اجتماعيًا لمعالجة الأزمة المالية

الموقع

Beirut

التاريخ

01 Jan, 2021

النوع

مقاربة منصفة اجتماعيًا لمعالجة الأزمة المالية

 

يقف لبنان راهنًا عند حافة هاوية خطيرة. فالمسار الحالي تترتب عنه نتائج كارثية. وإذا استمر التأخير في العمل على تثبيت الاستقرار الاقتصادي والمالي، فسوف يتفاقم التدهور، وتزداد كلفة الإجراءات التصحيحية التي تحتاج إليها البلاد، وستكون الأعباء من نصيب الأشخاص الأقل قدرة على تحمّلها.

 

نقترح في ما يلي بديلًا متقدّمًا يتوافق مع المصلحة الوطنية والعدالة الاجتماعية، ويضع لبنان على سكّة التعافي. جزء كبير من التدابير الموصى بها في هذه المقاربة يعرفها معظم اللبنانيين جيدًا، على الرغم من المعلومات المضلِّلة التي تروّج لها النخب السياسية والاقتصادية التي تتضرر مصالحها إذا سلكت هذه التدابير طريقها إلى التنفيذ. لذا يجب على المجتمع المدني والمعارضة الصاعدة تبنّي البرنامج المقترح ومراقبة تطبيقه على نحوٍ جدّي ومكثّف كي ينطلق ويُنفَّذ على أكمل وجه.

 

لا شك في أن بناء مستقبل أفضل هو أمرٌ ممكن، وممكن جدًا. وكي نعيد إطلاق عجلة الاقتصاد استنادًا إلى نموذج أكثر استساغة لتحقيق النمو الشامل، يجب العمل أولًا على معالجة إخفاقات القطاع العام، وعدم ملاءة النظام المالي، ويجب أن يشتمل ذلك على برنامج لإنعاش القطاع الخاص. ينبغي أن تنطلق هذه الجهود على الفور، والأمثل هو أن تكون بقيادة حكومة انتقالية مستقلة. في الانتظار، ندعو جميع القوى الإصلاحية إلى ممارسة الضغوط على الحكومة، أيًا تكن، لوقف السياسات التدميرية الراهنة، والشروع بدلًا من ذلك في تنفيذ السياسات العادلة والفعّالة الواردة أدناه.

 

الوضع الراهن الكارثي

تتخبط البلاد، منذ أواخر عام 2019، في أزمة مثلّثة الأضلاع. أولًا، أزمة ميزان المدفوعات التي تسببت بانهيار الواردات، وبتدهور كبير ومتسارع في قيمة الليرة اللبنانية. ثانيًا، الأزمة المالية التي أفضت إلى تراجع شديد في الإيرادات الحكومية وانهيار النفقات "الحقيقية"، وبالتالي إلى تعطّل الخدمات الأساسية. وفي مواجهة العجز المالي الناجم عن هذه الأزمة، تم اللجوء إلى طباعة العملة مع ما يترتب عنه من تداعيات تضخمية كارثية. أخيرًا، أزمة القطاع المصرفي الذي بات يعاني من نقص السيولة وانعدام الملاءة المالية. فقد حُرِم المواطنون من سحب ودائعهم وجنى أعمارهم، ولم يعد القطاع الخاص قادرًا على الوصول إلى التمويل والسيولة.

 

وقد أفضى ذلك إلى انهيار الاقتصاد. إنها الأزمة الاقتصادية الأسوأ منذ الحرب العالمية الأولى. يُتوقَّع أن يصل التراجع في إجمالي الناتج المحلي إلى حوالى 20 في المئة في عام 2020، بعدما بلغت هذه النسبة 7 في المئة في عام 2019. ويتسبب التضخم الشديد بانخفاض كبير في قيمة المداخيل الحقيقية. وتتفشّى ممارسات موازية مسبِّبة للهدر مثل توسّع الاقتصاد النقدي، وتعدُّد أسعار الصرف، والأسواق السوداء، والتهريب. وقد أقفلت آلاف الشركات أبوابها وسجّلت البطالة ارتفاعًا شديدًا.

 

يتسبب الانهيار الاقتصادي والأجواء التضخمية بتآكل كارثي للمداخيل والثروات. فما لا يقل عن 50 في المئة من السكان عاجزون عن الحصول على المواد الأساسية، والطبقة الوسطى تتلاشى. ويُسجَّل نقص متزايد في السلع الاستهلاكية والمحروقات والأدوية. يتسرّب آلاف الأطفال من المدرسة. ومع فقدان الأمل، يسلك آلاف اللبنانيين، لا سيما الشباب وأصحاب الاختصاص، طريق الهجرة.

 

وقد بدأت تتجلى بوضوح التداعيات الأمنية للاضطرابات الاجتماعية والفوضى التي تتوسع رقعتها، ولا شك في أنها ستزداد سوءًا. وسوف تُفضي الأزمة حكمًا إلى تعمّق السياسات المذهبية، وانهيار القانون والنظام، وقد تؤدّي في نهاية المطاف إلى تفشّي العنف.

 

السياسات الراهنة التي تنتهجها الطبقة السياسية الحاكمة كارثية. سوف تتواصل الضغوط على المالية العامة، وسوف تتسبب العجوزات بمستويات قياسية من التضخم وبمزيد من التدهور في قيمة العملة الوطنية. سوف تستمر المصارف في فرض قيود على السحوبات من الودائع. وسوف يقضي النقص في السيولة على ما تبقّى من القطاع الخاص، ما سيؤدّي بدوره إلى مزيد من التقهقر في الميزانيات العامة للمصارف.

 

تتوسّل السياسات الراهنة الحيلة والخداع للإلقاء بعبء التصحيح على كاهل الفئات الأقل قدرة على تحمّله. فالتضخّم الخارج عن السيطرة هو ضريبة طائلة يدفعها الأشخاص من مداخيلهم الحقيقية ومعاشاتهم التقاعدية. ويؤدّي حجز الودائع إلى تراجع قيمة المدّخرات. حتى الودائع بالدولار الأميركي تخضع للهيركات من خلال الإجراءات التي اتخذتها المصارف والتي "تسمح" للمودعين بسحب مبالغ محدودة بالليرة اللبنانية وفقًا لسعر صرف أقل بكثير من سعر الصرف الفعلي. إضافةً إلى كون الهيركات الزاحف على الودائع إجراءً مشبوهًا من الناحيتَين القانونية والأخلاقية، لا يمكن أن يكون حلًا فعالًا للمشكلات المصرفية، لا بل يُبقي الاقتصاد عالقًا في دوّامة تجعل منه "اقتصاد زومبي" في السنوات المقبلة، حيث الهدف الأوحد هو الحفاظ على الودائع الكبرى على حساب بقاء البلاد واستمراريتها.

 

المقاربة التي نوصي بها

 

ندعو إلى وضع حد فوري للسياسات الراهنة الكارثية. لا بد من عملية شاملة لإعادة إطلاق النظم الاقتصادية وتجديدها بطريقة تضع المصلحة الوطنية والعدالة الاجتماعية في صلب السياسات العامة. يقتضي هذا المجهود التحلّي بالشجاعة السياسية والخبرة التقنية الواسعة.

 

لقد سقط النموذج الاقتصادي القديم. فالاقتصاد اللبناني عانى في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية من الاختلال في التوازن وغياب الفعالية، وكانت منافعه حكرًا على حفنة قليلة ونافذة، بدلًا من أن تكون معممة على المجتمع الأوسع. لقد بُني الاقتصاد على أسس هشّة وغير متوازنة. وكما كان متوقعًا، انفجرت الفقّاعة، وتسببت في نهاية المطاف بالأزمة الحادة التي نشهدها راهنًا. وقد خلّفت الأزمة ندوبًا عميقة في الأركان الأساسية للدولة والاقتصاد. فالماليّة العامة التي استُخدِمت بمثابة "صندوق" لتمويل الزبائنية تحتاج الآن إلى إعادة هيكلة واسعة. ولا تتوافر المقوّمات اللازمة لرفع التحديات الجديدة، بدءًا من إدارة أزمة كوفيد-19 ووصولًا إلى إعادة إعمار وسط بيروت بعد الدمار الهائل الذي أحدثه انفجار المرفأ. يتخبط القطاع الخاص في أزمة شديدة، ويعجز عن مواصلة عمله على أكمل وجه قبل إجراء إعادة هيكلة واسعة للقطاع المصرفي بطرقٍ تتيح استعادة الثقة.

 

الخطوات الفورية

 

دخلت الأزمة مرحلة بالغة الخطورة، ويسلك التدهور مسارًا حادًا ومتسارعًا. صحيح أن الغاية النهائية هي إعادة الهيكلة وتحقيق التعافي، إنما الأولوية الملحّة هي لوضع خطة طوارئ لإرساء الاستقرار المالي والاقتصادي ولجم الانهيار.

 

أولًا، يجب المبادرة فورًا إلى إقرار قانون شامل للكابيتال كونترول بعد طول تأخير في هذا المجال. ففي وقتٍ تعاني البلاد من نقص حاد في الدولار، من شأن هذا القانون أن يحدّ من خروج الرساميل وما ينجم عنه من مضاربات مسيئة. وطالما أن هناك حاجة إلى القيود على الرساميل وإلى القيود المصرفية (ونحن نعتقد أنه ستكون هناك حاجة إليها لسنتَين أو ثلاث سنوات على الأقل)، يجب إدارتها بطريقة شفافة، بما يضمن المساواة في المعاملة في مرحلةٍ تتطلب تضحيات من الجميع.

 

ثانيًا، وإلى حين استعادة الثقة بالليرة اللبنانية، ثمة حاجة، للأسف، إلى فرض قيود شديدة على السحوبات المصرفية. يسير الاقتصاد اللبناني الآن على غير هدى ومن دون مرتكزات. ومع تبدّد الثقة، يعمد المواطنون تلقائيًا إلى استخدام أي مبالغ يحصلون عليها بالليرة اللبنانية لشراء الدولار في الحال. والسيولة غير المدعومة بالدولار تتسبب بتدهور إضافي في سعر الصرف. صحيح أن خفض السقوف المحددة للسحوبات من المصارف بالليرة اللبنانية سوف يسبب مشقات اقتصادية، لكن السماح بسحب مبالغ كبيرة لا يصب في الواقع في مصلحة المودعين. فالتراجع في سعر الصرف يؤدّي تلقائيًا إلى تآكل قيمة المبالغ التي تُسحَب من الودائع.

 

ثالثًا، ثمة حاجة أيضًا إلى خطوات فورية لإصلاح منظومة الدعم العشوائي التي بدأت مع اندلاع الأزمة وتغطّي راهنًا نصف سلّة الواردات. فهذه المنظومة غير قابلة للاستدامة اقتصاديًا، لأنها تتسبب بخسارة ما يُقدَّر بخمسة مليارات دولار من احتياطي العملات الأجنبية في السنة. وهي مجحفة لأن منافعها لا تطال الفئات التي هي بأمس الحاجة إليها، فضلًا عن أنها من مسبببات الفساد المستشري والتهريب المنتشر على نطاق واسع. ثمة حاجة ماسّة إلى إعادة النظر في هذه المنظومة، من خلال وقف الدعم عن قسم كبير من المواد المدعومة حاليًا؛ واعتماد الشفافية في  الكشف عن كلفة الدعم وإدراجها في الموازنة بدلًا من "إخفائها" في حسابات مصرف لبنان؛ ويجب التوقف عن استخدام احتياطي المصرف المركزي لتمويل استيراد السلع المدعومة واستبداله بإنشاء شبكة أمان اجتماعي تستهدف الفئات المعوزة.

 

برنامج منصف اجتماعيًا

 

في المدى القصير، وحتى لو طُبِّق البرنامج الوارد هنا بما يؤدّي إلى توزيع الأعباء بطريقة منصفة وتصاعدية قدر الإمكان، بحسب ما نقترحه، لن يكون الفقراء والطبقة الوسطى بمنأى من تأثيراته المؤلمة في البداية. وسوف تكون هذه التأثيرات أشد إيلامًا كونها تأتي في أعقاب صدمات متتالية أفقرت شريحة واسعة من السكان.

 

لذلك يجب أن يتضمن البرنامج التصحيحي دعمًا اجتماعيًا مهمًا وشبكة واسعة للأمان الاجتماعي تؤمّن الدعم لنسبةٍ تصل إلى 50 في المئة من السكان الذين تشير التقديرات إلى أنهم أصبحوا دون خط الفقر.

 

يجب أن يشتمل هذا البرنامج على تحويلات نقدية مباشرة وغير مشروطة، وعلى الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية، فضلًا عن برامج توظيفية. وبما أنه يجب تحرير العديد من الأسعار المحلية (بما في ذلك أسعار الأدوية والمواد الغذائية والمحروقات، ورسوم الكهرباء)، يمكن اعتماد القسائم للتخفيف من أعباء الكلفة الإضافية على كاهل الفئات المعوزة.

 

في موازاة ذلك، من الضروري إعداد برنامج طوارئ انتقالي يدعم النقل العام ويحافظ على الحد الأدنى من الخدمات الصحية، وكذلك إعادة تنظيم الضمان الاجتماعي وأنظمة التقاعد.

 

ويجب أن يتوافق ذلك كله مع إصلاح مالي هيكلي يتضمن، على نحوٍ أساسي، خطة أوسع للإنفاق الاجتماعي. ويجب أن يكون تمويل هذا البرنامج في رأس أولويات الحكومة في السنتَين أو السنوات الثلاث المقبلة، ويتطلب هذا التمويل دعمًا خارجيًا واسعًا.

 

إصلاح مالي ذو صدقية

 

وضعُ الحسابات المالية على السكة الصحيحة نحو تحقيق توازن مستدام هو مكوّن أساسي من المكوّنات التي تقوم عليها خطّة نهوض ناجحة يكون من نتائجها لجم التضخم. في عام 2020، ظلّ العجز الأساسي كبيرًا، على الرغم من التراجع الكبير في خدمة الدين بسبب تأجيل سداد الديون، ولكن هذا العجز يُموَّل الآن بالكامل بواسطة طباعة النقد. بغية وقف سياسة تسييل العجز التي ينتهجها مصرف لبنان، يجب خفض العجز سريعًا، وتمويله بصورة أساسية من الأموال الخارجية التي تدخل رسميًا إلى البلاد. ومن أجل التوفير في النفقات الأساسية، ينبغي التركيز على إغلاق المؤسسات التي ينخرها الفساد والتي يقتصر الهدف من وجودها على الزبائنية والمحسوبيات، ووقف الدعم لمؤسسة كهرباء لبنان والذي تُخصَّص له مبالغ طائلة.

 

على صعيد الإنفاق، سجّلت النفقات والرواتب الحقيقية تراجعًا كبيرًا، ويجب أن تتعافى مع مرور الوقت. ولكن يجب أن يكون ذلك جزءًا من إصلاح جذري للنفقات العامة، مع أجندة واضحة لمكافحة الفساد. حاليًا، تتّصف النفقات الحكومية بعدم الفاعلية، والهدر، وتُستخدَم في تمويل أنشطة الفساد الريعية. ومن الأمثلة الفاضحة في هذا الإطار قطاع الكهرباء. تحتاج الدولة إلى برنامج شامل لإصلاح الحوكمة. وفي حال تطبيق هذه الإصلاحات كما يجب، من شأنها أن تتيح (بالاقتران مع الأموال التي يمكن ادّخارها جراء انخفاض خدمة الدين)، تعافي الرواتب الحقيقية وزيادة الإنفاق على القطاع الاجتماعي والبنى التحتية مع مرور الوقت.

 

وعلى صعيد الضرائب، أدّى سقوط النموذج الاقتصادي القديم إلى تراجع الإيرادات من الرسوم الجمركية، والضريبة على القيمة المضافة، والفوائد، نظرًا إلى أن الواردات والودائع المصرفية وأسعار الفوائد ستبقى أقل بكثير في المستقبل. بغية زيادة الإيرادات (حتى نسبة 20 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في المدى المتوسط)، يجب توسيع القاعدة الضريبية مع اعتماد معدلات ضريبية أكثر تصاعدية في الوقت نفسه. نحن لسنا من مؤيّدي التوسيع المعمم للضريبة على القيمة المضافة التي هي شكل من أشكال الضريبة التنازلية التي يتكبّدها المواطنون المنهَكون أصلًا بالأعباء. والحال هو أن الضريبة الحالية تنازلية إلى درجة كبيرة، وتعتمد بصورة أساسية على الضرائب غير المباشرة (الضريبة على القيمة المضافة، الرسوم الجمركية). ويُشار في هذا الصدد إلى أن 11 في المئة فقط من الإيرادات الضريبية تُجمَع على نحوٍ تصاعدي، فالضرائب على الفوائد، والمكاسب الرأسمالية، ونِسَب الأرباح، وعلى أرباح الشركات، تُحدَّد وفقًا لمعدلات موحّدة ومنخفضة، وبصورة منفصلة. نقترح بدلًا من ذلك إصلاحًا ضريبيًا طموحًا يقوم على فرض ضريبة تصاعدية على مجموع المداخيل. يجب أن تبقى الضرائب على الشركات منخفضة نسبيًا بهدف دعم الاستثمار والنمو. يُشار في هذا السياق إلى أن الإيرادات الدولية التي يحققها المقيمون في لبنان من الرأسمال المنقول تخضع للضريبة، لكنها لا تُجبى راهنًا. كي يتحقق ذلك، يجب أن يستكمل لبنان اندماجه في المنظومة العالمية لتبادل المعلومات – في الوقت الحالي، يرسل لبنان معلومات عن الإيرادات الداخلية، لكن الغريب هو أنه يرفض تسلّم معلومات عن الإيرادات التي يجنيها سكّانه في الخارج.

 

إعادة هيكلة الدين العام

 

يقع خفض الدين العام، وتصحيح الميزانية العامة لمصرف لبنان، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي في صلب خطة التعافي التي يجب المبادرة فورًا إلى تطبيقها من دون أي تأخير إضافي. فإذا لم تُبذَل جهود في هذا الإطار، لن يكون ممكنًا استعادة الثقة بالليرة اللبنانية، وإعادة إطلاق الوساطة المالية، ووضع البلاد من جديد على سكة التعافي.

 

يجب خفض الدين العام (بما في ذلك كلفة تصحيح الميزانية العامة لمصرف لبنان) كي تتمكن الدولة من استعادة جدارتها الائتمانية. وفي هذا الإطار، ينبغي إجراء خفوضات كبيرة في مجموع الدين لتصبح نسبته 60 إلى 75 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. ويجب أن تستند عملية إعادة هيكلة الدين العام إلى مجموعة من المبادئ. أولًا، يُستحسَن إجراء خفوضات كبيرة في الدين بهدف تقصير الفترة المطلوبة لتصحيح المسار الاقتصادي، وإفساح المجال أمام المعافاة في المستقبل. ثانيًا، تراجعت قيمة الدين المعيَّن بالليرة اللبنانية بفعل التضخم المرتفع، ولذلك يمكن التعاطي بطريقة تفضيلية مع أجزاء من هذا الدين، لا سيما الأموال المقترَضة (قانونًا) من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. ثالثًا، يمكن أن تكون إعادة رسملة مصرف لبنان أكثر تدرّجًا مع امتصاص جزء من الخسائر بواسطة الأرباح المستقبلية.

 

إعادة هيكلة القطاع المصرفي

أيّ عملية شطب لديون القطاع العام ستؤكّد ما نعرفه أصلًا، وهو أن القطاع المصرفي يعاني فعليًا من عدم الملاءة. إذا لم تُصحَّح الميزانيات العامة للمصارف، سيستمر التهافت الحالي لسحب الودائع، ولن تتمكن المصارف من أداء دورها المحوري في تمويل الاقتصاد.

 

ثمة طريقتان للتعامل مع الخسائر المصرفية: الإنقاذ الخارجي (bail-out)، والإنقاذ الداخلي (bail-in). ويجب استخدام الاثنتين.

 

يمكن إنقاذ المصارف من الخارج بطرق عدة، ولو كانت محدودة. الوسيلة الأولى والمفضّلة هي إعادة رسملتها. يجب أن يُطلَب من المساهمين الحاليين إعادة استثمار جزء من أرباحهم السابقة في مصارفهم. ولكن على الأرجح أن تلك المبالغ لن تكون كافية. والمسألة المطروحة في هذا الإطار هي ما إذا كان يجب استخدام بعض أصول الدولة، ومنها احتياطي الذهب، لإعادة رسملة القطاع المصرفي (مقابل تملّك جزئي). تمتلك الدولة العديد من المؤسسات (كهرباء لبنان، شركتَي الاتصالات، الموانئ والمطار) إضافةً إلى عقارات. من الضروري إدارة تلك الأصول بطريقة أكثر فعالية وشفافية. علاوةً على ذلك، يجب تنظيمها بطريقة تؤدّي إلى زيادة رفاه المستخدمين والتنافسية الاقتصادية، لا الأرباح، إلى الحد الأقصى. لا نعارض بيع أصول تابعة للدولة أو تحويل ملكيتها شرط أن تتم عمليات البيع و/أو عقود الإدارة بطريقة شفافة، مع ضمانات تحول دون استحواذ جهات فاسدة عليها، ويجب حكمًا الامتناع عن بيعها وفقًا لتخمينات متدنّية، هذا فضلًا عن أن الإدارة الخاصة يمكن أن تساهم في تحسين الفعالية. ولكن تخصيص جزء من إيرادات الأصول المملوكة من الدولة لسداد خدمة الدين لا يساهم بحد ذاته في تصحيح أوضاع المالية العامة لأنه يتسبب في الوقت نفسه بخفض إيرادات الدولة.

 

المقاربة الثانية هي الإنقاذ الداخلي الذي يحمّل الخسائر المصرفية للمساهمين في المصارف. نحن نجزم أنه يجب أن يكون المساهمون في مقدّمة الأفرقاء الذين سيمتصون الخسائر. ولكن واقعيًا، لن يكون ذلك كافيًا. فلا مفرّ من أن يتحمّل المودعون بعض الخسائر (من خلال "الهيركات").

 

نقترح ثلاثة مبادئ لضمان توزيع خسائر المودعين بطريقة منصفة اجتماعيًا، والتعجيل في عملية إعادة تنظيم القطاع:

  • يجب عدم إدراج الحسابات الصغيرة في "القاعدة الضريبية".
  • في إطار المعالجة، يجب أن تكون إجراءات الهيركات الضرورية متكافئة مع الفوائد التي سُدِّدت لكل حساب مصرفي في الأعوام الخمسة إلى السبعة الأخيرة.
  • يجب "تزيين" الهيركات وتقديمها بطرق جاذبة، من خلال عرض قائمة من الخيارات على المودعين منها استبدال الودائع بأوراق مالية طويلة الأمد (وقابلة للتداول، مع فائدة منخفضة)، وبأسهم في المصارف، وبشهادة اكتتاب مرتبطة بمؤشر النمو الاقتصادي المستقبلي؛ واستعادة الأصول المنهوبة، والاستعادة (الجزئية) للأصول الوطنية.
  • أسوةً بالبلدان الأخرى التي عانت من أزمات مصرفية، يتيح اعتماد آلية "المصرف الجيد والمصرف السيئ" (good-bank/bad bank) للقطاع المصرفي أن يستأنف عملياته عل الفور. وتقوم هذه الآلية على نقل الأصول "السيئة" الخاصة بكل واحد من المصارف (منها القروض إلى مصرف لبنان) إلى "مصرف سيئ" يُنشأ على صعيد البلاد، وفي موازاة ذلك، يُحوَّل إلى المصرف السيئ مبلغ مساوٍ من الودائع (بحسب القيمة الاسمية)، بدءًا من الحسابات الأكبر حجمًا. بهذه الطريقة، تُعزَل الأصول السيئة عن باقي القطاع المصرفي، ما يتيح وقتًا إضافيًا للبحث عن طرق مقبولة لتوزيع الخسائر في قيمة الأصول السيئة. أما الأصول العاملة (performing assets)، التي تُربَط بحسابات صغار المودعين، فتوضَع في المصارف "الجيدة" التي يمكنها أن تباشر عملها على الفور تقريبًا.

 

على نحوٍ منفصل، نعتقد أيضًا أن الوقت قد حان لإلغاء قانون السرّية المصرفية. فمن دون ذلك، لا يمكن الشروع في عملية منصفة وفعالة لإعادة هيكلة المصارف (ويصعب أيضًا تصوّر منظومة ضريبية قابلة للتنفيذ). علاوةً على ذلك، وفيما يصبح العالم أكثر شفافية، لا مكان للملاذات الضريبية، وفي مختلف الأحوال، خسر النظام المصرفي اللبناني سمعته كملاذ آمن ولن يتمكّن من استعادتها.

 

على صعيد التنفيذ، نعتبر أنه من الضروري تشكيل هيئة مستقلة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي تقوم بإعداد استراتيجية إعادة الهيكلة وتنفيذها. يجب على الهيئة أن تتولى تنسيق وتنفيذ عملية مراجعة الأصول المملوكة من كل مصرف على حدة، وأن تتمتع بالسلطة اللازمة لفرض خسائر مادّية على المساهمين والمودعين، وأن تمتلك القدرة على إعادة تنظيم القطاع، بما في ذلك من خلال إرغام بعض المصارف على الاندماج، وتصفية مصارف أخرى. قانون المصارف الحالي غير مناسب للأزمة الراهنة التي تواجهها مختلف المصارف في البلاد، ويجب الشروع، بأسرع وقت ممكن، في إقرار قانون جديد وعصري لإعادة هيكلة المصارف.

 

يجب أيضًا إيلاء الاهتمام الضروري للأزمة التي تلوح في الأفق على مستوى ديون القطاع الخاص. حتى الآن، عمدت المنظومة إلى خفض ديونها بطريقة غير منظّمة. وفي هذا الصدد، نعتبر أنه من المجدي وضع مقاربة جماعية الهدف منها حماية الشركات ذات الإمكانات المستقبلية. وفي هذا الإطار، هناك مشروع قانون جيد حول إفلاس الشركات وإعادة هيكلتها، ونوصي بإقراره على نحوٍ عاجل لأن من شأنه أن يشكّل إطارًا فعّالًا لعملية إعادة التفاوض على الديون.

 

في نهاية المطاف، سيصبح القطاع المصرفي أصغر حجمًا إلى حد كبير. يتطلب ذلك عمليات دمج، إضافةً إلى خفض أعداد المصارف. ولكن الأهم هو أنه يقتضي إجراء تحسينات كبيرة في الإشراف التنظيمي، فالمصارف التي ستنبثق عن هذه العملية عليها التركيز على الإقراض للقطاعات المنتِجة، وليس لمشاريع الهدر الحكومية، ولا للقطاعات غير المنتجة كما كان يحدث في الماضي.

 

توحيد سعر الصرف وإعادة النظر في إدارة نظام تحديد سعر الصرف

 

نظام سعر الصرف المعمول به منذ عام 1993 هو في صلب الاختلالات الخارجية الواسعة التي تسببت في نهاية المطاف بالأزمة الراهنة. لقد فرضت هذه المنظومة تقييدًا شديدًا للسياسة النقدية، بما في ذلك من خلال سداد فوائد مرتفعة جدًا، وصبّت في مصلحة القطاعات المتدنية الإنتاجية على حساب القطاعات الأكثر ديناميكية والتي تولّد عملات أجنبية.

 

الإجراء الملح الذي يجب القيام به في المدى القصير هو توحيد سعر الصرف. فالمنظومة الراهنة القائمة على أسعار صرف متعددة غير فعالة وغير مستدامة. يتسبب سعر الصرف المصطنَع الذي يُستخدَم في "دعم" بعض الواردات، بتراجع مقلق في احتياطي العملات الأجنبية؛ ويشكّل سعر الصرف المحدد بأقل من السعر الفعلي والمعتمد في تحويل الودائع بالدولار إلى سحوبات بالليرة، طريقةً مجحفة لتوزيع الخسائر؛ وتؤمّن أسعار الصرف المتعددة مرتعًا خصبًا للفساد.

 

الهدف الآخر في المدى القصير هو تأمين استقرار الليرة وتجنّب الارتفاع المفرط في سعر الصرف (overshooting). يتطلب تحقيق الاستقرار على مستوى العملة خفض الاحتياجات التجارية بالدولار الأميركي. وقد تراجعت هذه الاحتياجات إلى حد كبير (من 11 مليار دولار في عام 2019 إلى 4-5 مليارات دولار في عام 2020). ويقتضي إرساء الاستقرار أيضًا ضبط "حركة خروج الرساميل"، والذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا باستعادة الثقة، وكذلك اعتماد منظومة فعالة للكابيتال كونترول، وخفض حجم الكتلة النقدية بحسب ما أشرنا إليه آنفًا. وثمة حاجة ملحّة أيضًا إلى ضخ كميات كبيرة من الدولارات.

 

بعد توحيد سوق الصرف وتثبيت استقرارها، يجب وضع منظومة جديدة للعملات تتسم بمرونة أكبر مقارنةً بالسابق. ولكن يجب أن يكون الهدف في المدى المتوسط تحقيق المرونة الكاملة. وفي ظل الأوضاع الهشّة الراهنة، قد يحدث ارتفاع مفرط في سعر الصرف في حال عدم إدارة نظام الصرف بطريقة فعالة.

 

الدعم الدولي

 

من أجل الحد من الأعباء التي تترتب عن إرساء الاستقرار الاقتصادي والمالي، البديل الأوحد هو التمويل الخارجي الطارئ. حتى الآن، ركّزت المساعدات الخارجية على الإغاثة الإنسانية في المدى القصير. وفي غياب الإصلاحات الجدّية، لن يحصل لبنان على دعم أوسع لميزان المدفوعات من أجل إطلاق استراتيجية ديناميكية للتعافي. نحن نعتقد أن برنامجًا قائمًا على النقاط الواردة أعلاه يستطيع أن يحصل على الدعم الخارجي (وسوف يحصل عليه). الحاجة هي إلى دعم مالي سريع، وهو ما يمكن تأمينه من خلال الاتفاق على برنامج مع صندوق النقد الدولي. يجب استئناف المفاوضات مع الصندوق بأسرع وقت ممكن. وفي حال الاتفاق على خطة ذات صدقية، من شأن البلدان والمؤسسات الصديقة، ومنها الحكومات الأوروبية ومجلس التعاون الخليجي والمؤسسات المالية الإقليمية، أن تقدّم دعمًا طارئًا إضافيًا. ويجب أيضًا الإسراع في تأمين التمويل لإعادة إعمار بيروت، على أن توضَع هذه الأموال في صندوق يُدار بشفافية، بمشاركة فعّالة من منظمات المجتمع المدني.

 

خلاصة

 

يكفي هدرًا للوقت. لو طُبِّقت خطة لإرساء الاستقرار الاقتصادي والمالي من قبيل الخطة الموصى بها في هذه السطور في مطلع عام 2020، لساهمت في استقرار سعر الصرف عند حدود 5000 ليرة لبنانية، وفي إبقاء التضخم تحت السيطرة، وإعادة إطلاق عجلة النظام المصرفي بعد إجراء هيركات على الودائع بمعدّل 30 في المئة، من دون المساس بالحسابات دون الـ200 ألف دولار. ولو طُبٍّقت الخطة، لكان الاقتصاد يسير الآن على طريق التعافي. ولكن بدلًا من ذلك، تمكّن بعض أصحاب الثروات، من خلال تهريب الأموال إلى الخارج، من حماية ثرواتهم كي لا يتحمّلوا حصّتهم من الأعباء؛ وأُهدِر الاحتياطي على آليات دعم مجحفة وغير فعّالة؛ وأغلقت أعداد كبيرة من الشركات أبوابها علمًا بأنها كانت تملك مقوّمات الاستمرار لو طُبِّقت الخطة؛ وتعاني شريحة واسعة من القوة العاملة في البلاد من البطالة، ويبحث الكثير من العمال الماهرين عن سبيل للمغادرة؛ وصادرت المصارف، على نحوٍ مجحف، قسمًا كبيرًا من ودائع الطبقة الوسطى. لقد حان الوقت للتحرك.

 

 



الحلقات



معرض الصور