نحو اقتصاد منتِج في لبنان

نحو اقتصاد منتِج في لبنان

العنوان

نحو اقتصاد منتِج في لبنان

الموقع

Beirut

التاريخ

26 May, 2021

النوع

 

 

تمهيد

 

نسأل في هذا التقرير: كيف يمكن أن يبدو "لبنان الجديد" لو لم تكن السياسة عائقًا أمامه؟ هذا ليس تفاؤلًا ساذجًا، بل هو أسلوب في التفكير والعمل. فرؤية ضوء في آخر النفق، وامتلاك رؤية أوضح عن العناصر التي تجعل من لبنان بلدًا ناجحًا يجب أن تكون مصدر إلهام ومعيارًا أساسيًا للنشطاء ودعاة الإصلاح.

 

لقد أردنا، في سعينا إلى إعداد رؤية ذات مصداقية من أجل النهوض الاقتصادي، تجنّب الآراء والتحاليل الشكلية والمعلّبة. فهذه الرؤية هي ثمرة سلسلة من المؤتمرات الإلكترونية (وبينار) بقيادة منتجين "حقيقيين" من قطاعات ومناطق لبنانية مختلفة (انظر المربّع 1). وقد تطرقت النقاشات إلى كيفية الحفاظ على القوة في الأوقات العصيبة، وسبل معالجة الأزمة بما يؤدّي إلى تفعيل الفرص المستقبلية إلى الحد الأقصى، وكيفية إطلاق نموذج جديد للنمو، وبصورة أساسية، تحقيق استدامة النمو لفترة طويلة.

 

هذا التقرير هو عصارة الخلاصات التحليلية الأساسية التي توصّلت إليها النقاشات. ورسالته الأساسية أنه في لبنان الجديد، يجب ألا يكون هناك مكان للاقتصاد الريعي (والقائم على الديون) الذي عرفته البلاد في السنوات الماضية، وينبغي اعتماد استراتيجية قوامها النمو المبني على الإنتاجية والصادرات.

 

يعرض التقرير أولًا ملخّصًا عن الرؤية، مع التركيز على الميزات التفاضلية "الطبيعية" التي تتمتع بها البلاد، ومغزاها في اقتصادٍ عالمي متغيِّر. ويتوقّف ثانيًا عند المعوّقات التي تعترض تطبيق الرؤية. ثالثًا، ينظر التقرير في الإجراءات التي يجب اتخاذها في الحال لمعالجة الأزمة الخطيرة الراهنة وإطلاق عجلة النمو الاقتصادي على حد سواء. ثم نستكشف الخطوات الواجب اتباعها للحفاظ على مسار النمو مع مرور الوقت، بما يتيح التخلص من رأسمالية المحسوبيات التي سادت في السابق وأنتجت فترات من النمو المضخَّم ليتبيّن في نهاية المطاف أنه سريع الزوال ويتّصف باللامساواة الاجتماعية والهجرة الجماعية والدمار البيئي. وينظر القسم الأخير من التقرير في التغييرات السياسية التي يجب القيام بها من أجل إنجاز الرؤية.

 

تبتعد هذه الورقة عن تعداد قائمة شاملة، وغير واقعية في معظم الأحيان، بالإصلاحات. الطريق أمام لبنان هو ماراثون طويل، وليس سباقًا قصيرًا. ولذلك تركّز الورقة على السياسات "الجيدة بما فيه الكفاية" التي يمكنها توليد زخم فوري. ويولي التقرير اهتمامًا خاصًا بتطوير المؤسسات، ويتوقّف، في نقطة مهمة، عند التقدّم الاجتماعي الذي يجب تحقيقه في مسارٍ موازٍ من أجل إنجاز الرؤية. حين يكون الطريق طويلًا، تكتسي "الأفكار" أهمية محورية، وهذه الورقة هي مجرد مساهمة في هذا المجال.

 

المربّع 1

 

جلسة النقاش الأولى. ما هي الميزات التفاضلية التي يتمتع بها لبنان؟ (5 آذار/مارس 2021)

ما هي الميزات التفاضلية التي تصنع "فرادة" لبنان؟ يجب أن ينطلق أساس بناء رؤية للمستقبل من فهم تلك العوامل البنيوية وسبل إعادة تصميمها كي تكون في خدمة لبنان الجديد الذي نتطلع إليه جميعنا. لقد تطرقت جلسة النقاش إلى دور التميّز التعليمي، والاغتراب اللبناني، وثقافة الإبداع وريادة الأعمال، والجغرافيا/البيئة الجاذبة، والفرص في الأسواق الإقليمية.

 

جلسة النقاش الثانية. ريادة الأعمال والابتكار والأثر الاجتماعي (12 آذار/مارس 2021)

إلى أي مدى يمكن أن يتنافس لبنان في القطاعات ذات التكنولوجيا المتطورة، بما فيها القطاعات التي تركّز على تصدير الخدمات؟ وكيف يمكن للابتكار أن يساعد المشاريع الاجتماعية على التحسّن والتوسّع وإحداث أثر؟ ما هي المعوّقات والفرص أمام الشركات التي تقوم على الابتكار والتصدير، وإلى أي حد تُقدّم تلك الشركات نماذج ناجحة من أجل التحسين والتطوير؟

 

جلسة النقاش الثالثة. نماذج أعمال واعدة في مجالات تقليدية (19 آذار/مارس 2021)

تقلّصت شركات التصنيع والخدمات التقليدية في الفترة الماضية، جراء الضغوط التنافسية الناتجة عن ارتفاع أسعار الواردات وتكاليف الإنتاج، ومحدودية الدعم الحكومي. ولكن ثمة مجموعة واسعة من الإمكانات، في العديد من أسواق المنتجات التخصصية، والتي يمكن إحياؤها من جديد في حال تحسّنت التنافسية. فما هي تجارب الشركات الناجحة، وأين تلمس تلك الشركات إمكانات للنمو، في مجالَي التصدير واستبدال الواردات على السواء؟ ما هي الشروط المسبقة للنجاح؟ وما هي المعوّقات الأساسية؟

 

جلسة النقاش الرابعة. الزراعة والبيئة والأعمال الزراعية (26 آذار/مارس 2021)

تدهورَ هذا القطاع في الماضي بسبب ارتفاع كلفة اليد العاملة وشحّ المياه. في المقابل، ظهرت منتجات تخصصية فاخرة يُوزَّع بعضها عالميًا في بلدان الاغتراب اللبناني. ما هي إمكانات القطاع؟ هل هناك أسواق تخصصية ذات تكنولوجيا متطورة/قيمة عالية؟ هل من دورٍ يؤدّيه صغار المنتجين في المناطق الفقيرة؟ ما هي تجارب الشركات التي تعتمد الابتكار في هذا القطاع؟

 

جلسة النقاش الخامسة. الانتقال والاستدامة (9 نيسان/أبريل 2021)

نظر المشارِكون في الجلسة في سبل الانتقال من الأزمة الراهنة إلى مسار النمو المنشود. وتوقّفوا عند الخطوات الفورية الواجب اتباعها لمعالجة الأزمة بطريقة تؤدّي إلى إطلاق عجلة النمو. وقد تركّز النقاش حول سبل معالجة مشكلة الديون المتراكمة، ووضع المالية العامة على مسار مستدام، وتسوية أوضاع القطاع المصرفي، وإعادة النظر في المنظومة النقدية ونظام سعر الصرف. ولكن حتى لو التقط الاقتصاد أنفاسه، يواجه تحقيق النمو المستدام تحدّياتٍ أكبر. وقد ناقش المشاركون في الجلسة سبل تجنّب أنماط "الطفرة/التدهور" (boom/bust) التي سادت في السابق، حيث أدّت رأسمالية المحسوبيات المتفلّتة من الضوابط إلى مراحل من النمو المضخَّم إنما غير القابل للاستدامة في نهاية المطاف، مع ما رافقه من لامساواة اجتماعية واسعة، وموجات هجرة كثيفة، ودمار بيئي.

 

القسم الأول. رؤية للمستقبل

 

اقترحت جلسات النقاش التي شارك فيها روّاد أعمال، ثلاث نقاط انطلاق مهمة:

 

أولًا، يجب أن ندرك أن النموذج الاقتصادي لما بعد الحرب الأهلية قد لفظَ أنفاسه الأخيرة، أو أقلّه تعرّض لانتكاسات خطيرة، وأنه لا يمكن بناء الازدهار في المستقبل على الاستهلاك والعمل العقاري (وكلاهما تغذّيهما الديون) على حساب الأنشطة الإنتاجية والاستثمارات. ليس المقصود أنه لا دور لتدفقات الرساميل؛ فسوف تكون هناك حاجة إليها حكمًا لتمويل الاستثمارات في المستقبل. بل يعني ذلك ببساطة أن زمن استقطاب الرساميل من خلال رفع أسعار الفوائد التي تبيّنَ مع مرور الوقت أنه يستحيل سدادها، قد ولّى. ولذلك، لن تتدفق الرساميل إلا عندما يلمس أصحابها فرصًا حقيقية مع عوائد مثبَتة. يجب أن يتطوّر الإنتاج القادر على المنافسة عالميًا وينتقل من موقعه الهامشي الحالي في الاقتصاد ليصبح المحرّك الأساسي للازدهار.

 

النقطة المحورية الثانية هي أنه لا يمكن تحقيق الازدهار المستقبلي إلا من خلال الإنتاج الفاعل للسلع والخدمات. حجم التحدّي هائل. فمن أجل العودة إلى ما كان عليه مستوى الإنتاج في عام 2018، يجب أن يتضاعف حجم الاقتصاد اللبناني أربع مرات. ولكن المشكلة هي أن القطاعات الإنتاجية باتت جوفاء وعقيمة بسبب السياسات (بما في ذلك سعر الصرف الحقيقي الذي ثُبِّت عند مستوى أعلى من قيمته الفعلية) التي أمعنت طوال عقود في تحفيز الاستهلاك على حساب الاستثمار، والاستدانة على حساب الادّخار. فعلى سبيل المثال، تراجعت القيمة المضافة التصنيعية من 24% إلى 14% من إجمالي الناتج المحلي بين عامَي 1998 و2016، وتحقّقَ السواد الأعظم من المداخيل في القطاع المالي والقطاع العقاري والتجارة. والحاجة ليست فقط إلى إطار تنظيمي (regulatory framework) جديد، إنما أيضًا إلى إطار كلّي (macroeconomic framework) مختلف جدًا بما في ذلك سعر صرف يتّسم بالتنافسية والمرونة ومستند إلى سياسات مالية ونقدية حذرة ومتأنّية.

 

ثالثًا، من منظار واقعي، وعلى الرغم من أننا نرغب حقًا في أن نصدّق أن البلاد مقبلة على تحوّل سياسي وشيك، غالب الظن أن الخلفية السياسية الداخلية ستبقى عائقًا أمام النمو. في الوقت نفسه، سيظلّ لبنان محاطًا بالفوضى في بلدان الجوار. لا يحول أيٌّ من هذين العائقَين دون تحقيق النمو، لكن على أي نموذج للنمو في المستقبل أن يشتمل بحسب تصميمه على المرونة. ويقوم أساس المرونة على المساواة في المواطنة، وعلى التضامن والعدالة. يُشار في هذا السياق إلى أن لبنان هو حاليًا من البلدان الأقل مساواة في العالم. ولا يمكن بناء مستقبل مزدهر إلا على أساس النمو الشامل الذي يُتيح الحرَكية الاجتماعية الديناميكية.

 

ما هي الخلاصة؟ إذا لم يكن نموذج ما بعد الحرب مستدامًا ولا مرغوبًا فيه، هل علينا العودة إلى "جمهورية التجّار" التي هندسها ميشال شيحا واعتمادها نموذجًا؟ لا نظن ذلك. ليس المقصود أن هذا النموذج كان فكرة سيئة بالضرورة في تلك الحقبة. ولكن الواقع هو أن التطورات العالمية (صعود الصين البعيدة جغرافيًا واقتصاديًا عن لبنان)، والظروف الإقليمية (صعود دبي)، والقوى التكنولوجية (التي جعلت مراكز التخزين (entrepôt centers) أقل محورية) تضافرت كلها لتجعل نموذج شيحا أقل ملاءمة للبنان إلى حد كبير.

 

بدلًا من ذلك، تقوم رؤيتنا على اقتصاد منتج ينمو استنادًا إلى الإبداع والابتكار والاجتهاد في العمل والإنتاجية العالية. وهي ليست رؤية رومنسية. لقد شهد القرن الأخير محطتَين بارزتَين ساهم الإنتاج خلالهما في تحفيز الازدهار الاقتصادي: ثورة الحرير في القرن التاسع عشر، والنمو السريع للتصنيع في الستينيات والسبعينيات.

 

أدّت طفرة الحرير والتوت إلى مرحلة أولى من تراكم الثروات، وأحدثت تحوّلًا في المنظر العام في البلاد والعلاقات الاجتماعية. لكن زراعة المحصول الواحد انهارت في سبعينيات القرن التاسع عشر مع انهيار الأسعار الدولية، وأصيب الأشخاص الذين كانوا يعتاشون منها بالفقر والعوز. ونجم عن ذلك ركود اقتصادي تسبب بموجات هجرة كثيفة. لم يبقَ الكثير من مخلّفات هذه المرحلة التي شهدت طفرة ثم تدهورًا، في ما خلا بعض العائلات التي لا تزال تنعم بالثراء حتى اليوم، وعدد قليل من القصور المتبقّية في الأرياف. العِبرة الأساسية التي يمكن استخلاصها من هذه المرحلة هي عن أهمية بناء اقتصاد مرِن قادر على امتصاص الصدمات.

 

أما الطفرة الإنتاجية الثانية فقد انبثقت إلى حد كبير عن انتقال جهات إنتاجية من بلدان عربية مختلفة إلى لبنان، هربًا من التأميم، وقد أحضر هؤلاء معهم خبراتهم وشبكاتهم. وفي جانبٍ مهم، ساهمت السياسات الإنمائية للنظام الشهابي (من 1958 إلى 1970) في تسهيل النمو الذي جرى تدعيمه من خلال التركيز على التنمية المؤسسية (الخدمة المدنية القائمة على الكفاءة، ونظام الضمان الاجتماعي، والمصرف المركزي، والجهود التي هدفت إلى تحقيق إنماء متوازن بين المناطق، مثل المشروع الأخضر).

 

ولكن على الرغم من الإنجازات الجديرة بالثناء التي حققها النموذج الشهابي، تعذّرت معالجة أوجه اللامساواة الاجتماعية والمناطقية. في الواقع، نحن على يقين تام من أنه لو استُكمِلت الإصلاحات في السبعينيات، لكان لبنان على الأرجح أفضل قدرة على استيعاب التشنجات الداخلية والإقليمية. ولكن بدلًا من ذلك، رضخت المنظومة للسياسة ذات الطابع الأوليغارشي والمذهبي المتزايد، ما أسفر في نهاية المطاف عن اندلاع الحرب الأهلية وما أعقبها من انهيار اقتصادي.

 

ليس التجاذب بين الليبرالية والعدالة الاجتماعية ظاهرة جديدة. ويجب معالجته علنًا في أي رؤية تهدف إلى إطلاق مسار مستدام نحو الازدهار في المستقبل. الخبر السار هو أن الرغبة في مجتمعٍ ينعم بالعدالة الاجتماعية متجذّرة بقوّة لدى المواطنين، بدءًا من طانيوس شاهين وثورات الفلاحين ضد الإقطاعية وصولًا إلى التحركات العمّالية التي طالبت بتحسين ظروف العمّال (وغالبًا ما تعرّضت للقمع الشديد). يُتيح الاقتصاد الإنتاجي، كما نتصوّره، فرصة تاريخية لتحقيق الازدهار والعدالة الاجتماعية.

 

لا يعني ما تقدّم أنه بإمكان لبنان أن يعود إلى النموذج الذي طُبِّق في مطلع السبعينيات وأن يستخدمه بمثابة نقطة انطلاق. صحيح أن الأوضاع السياسية والأمنية الراهنة ربما تحمل بعض أوجه التشابه مع مرحلة ما قبل الحرب، ولكن الظروف الاقتصادية مختلفة جدًا. ففي ذلك الوقت، استندت الإنتاجية في لبنان إلى الزراعة والصناعة، وكانت الخدمات تقتصر على السياحة والقطاع المالي. وحتى في تلك المرحلة، كان يصعب على لبنان التنافس مع الشرق الصاعد. واليوم، بات النموذج الذي يعتمد بشدّة على اليد العاملة أقل استدامة. عالميًا، فقد أثبتت الصين نفسها بقوة كمصنع العالم؛ ويُستبدَل العمّال بالروبوت. وثمة اتجاهٌ جديد لنقل الأعمال إلى بلدان قريبة أي ما يُعرَف بالـnear-shoring بدفعٍ من الاعتبارات الأمنية وتنامي الشعور القومي بما يؤدّي إلى إعادة مصانع الإنتاج إلى مواقع أقرب إلى الأسواق الثريّة في الغرب. ولذلك يجب على لبنان أن يبحث عن نموذج آخر غير تقليدي للنمو.

 

عند التفكير في إشكالية النمو، يبرز سؤالان: أولًا، ما هي الأدوار المنوطة بالدولة والأسواق؟ وثانيًا، نظرًا إلى أن تحقيق الإنتاجية في لبنان يجب أن يستند بالضرورة إلى قطاعات إنتاجية، ونظرًا إلى صغر مساحة البلاد، ما هي المنتجات التي يستطيع لبنان تصديرها (و/أو إنتاجها محليًا بدلًا من استيرادها)؟ نجيب أدناه على هذين السؤالين.

 

طبيعة النظام الاقتصادي

 

تقوم رؤيتنا للمجتمع المنتِج على النمو الشامل المستند إلى الابتكار والاجتهاد في العمل، مع دور متمايز للأسواق التنافسية وللتنظيمات الحكومية الفاعلة. في رأينا، تبقى الليبرالية الاقتصادية، أي احترام حرية الفرد في جميع المسائل، بما فيها المسائل الاقتصادية، وأهمية المنافسة وريادة الأعمال، والاندماج في الاقتصاد العالمي، الأكثر ملاءمةً لخصائص لبنان التاريخية والجغرافية وتعدديته الثقافية. ولكن الأسواق المتفلّتة من الضوابط يمكن أن ينجم عنها أيضًا السعي إلى الكسب الريعي، والسلوك الاحتكاري، والاستغلال واللامساواة، والدمار البيئي. لذلك دور الدولة محوري. فإلى جانب دورها المركزي في تأمين الخدمات التي نعتبرها أساسية (الصحة والتعليم والبنى التحتية والأمن القومي)، إنها الكيان المسؤول عن حسن سير الأسواق والعجلة الاقتصادية للبلاد.

 

ليست المنظومة الليبرالية هي التي خذلت لبنان في السابق. فالنظام الاقتصادي اللبناني منذ نهاية الحرب الأهلية على الأقل لم يكن ليبراليًا على الإطلاق. فقد اختُطِفت المقوّمات الأساسية للمنظومة الليبرالية واستُبدِلت بمتاهة بيزنطية من الأوليغارشية والكارتلات، وتعاملات مشبوهة بين الحكومة والقطاع الخاص. في هذا الصدد، فشلت الدولة في دور الجهة الناظمة، وتخلّت إلى حد كبير عن دورها في تأمين الخدمات الاجتماعية، تاركةً هذه المهمّة في عهدة الجماعات الطائفية. وأُهمِلت البنى التحتية فأصابها الانحلال والتداعي، ولم يجرِ تحديثها بطرقٍ تساهم في تحفيز النشاط الاقتصادي الإنتاجي.

 

لاستعادة المقوّمات الأساسية لنظام اقتصادي واجتماعي قابل للحياة أهمية محورية للبنان الجديد. إنها ضرورة سياسية بقدر ما هي ضرورة اقتصادية أيضًا. الحاجة هي إلى إعادة نظر جذرية في أولويات الدولة الإنفاقية والنظام الضريبي الذي يموّلها، وإلى إعادة صياغة الآلية التنظيمية وطريقة تطبيق القواعد والتنظيمات. وفي إطار متّصل، يجب تفكيك الاحتكارات والمنظومة القائمة على الحصرية. ويجب إلغاء العوائق أمام الدخول إلى السوق (barriers to entry). ولا بد من اعتماد قواعد أساسية للفصل بين الحكومة والقطاع الخاص بما يحول دون تشابُك المصالح بينهما. أخيرًا، والأهم، ثمة حاجة ماسّة إلى إصلاح قضائي شامل يضمن استقلال القضاء وعدم تسييسه.

 

الميزات التفاضلية وقطاعات النشاط الواعدة

 

ما هي الميزات التفاضلية التي يمكن أن تجعل لبنان من جديد مكانًا جاذبًا للنشاط الاقتصادي المنتج؟ يُشير المنتجون المحليون إلى أربع ميزات: ثقافة ريادة الأعمال، والرأسمال الفكري الغني (بدفعٍ من منظومة تربوية متينة وقائمة على ثلاث لغات)، و"البراند" المتميّز والقيّم، والاندماج الراسخ في الاقتصاد العالمي، لا سيما من خلال الجالية الاغترابية اللبنانية الكبيرة في الخارج. ويُعتبَر موقع لبنان القريب من سوق مجلس التعاون الخليجي ميزةً أيضًا، ولكنها لم تعد ميزة أساسية. بدلًا من ذلك، أوصى معظم المنتجين بالتركيز على الأسواق العالمية الأوسع.

 

هل تلك المزايا (في حال إعادة تأهيلها وصقلها) كافية كي تكون أساسًا للجمهورية المنتجة؟ رأى المنتجون المشاركون في جلسات النقاش أنه ثمة إمكانات طائلة لتوليد القيمة في ظل حوكمة اقتصادية جيدة في لبنان، لا سيما على جبهة الصادرات. لقد استنتجنا، من خلال محادثاتنا، أن هذه الفرص المستقبلية هي ذات نطاق واسع، والدليل على ذلك الشركات الناشئة والأنشطة الابتكارية الأخيرة. يلخّص المربّع الثاني المجالات التي تُعتبَر ذات إمكانات كبيرة.

 

المربع 2. المجالات ذات الإمكانات الكبيرة: ما هو رأي روّاد الأعمال

 

التكنولوجيا المتطوّرة والابتكار

  • تتيح التكنولوجيا المتطورة الابتكار في قطاعات كثيرة حيث يتمتع المنتجون اللبنانيون بكفاءات أساسية، مع الإشارة إلى أن الإمكانات التصديرية تختلف بين قطاع وآخر. وتشمل هذه القطاعات التكنولوجيا الصحية، والتكنولوجيا التعليمية، والتكنولوجيا السياحية، والتكنولوجيا المالية، والتكنولوجيا الصناعية، والتكنولوجيا المائية، والتكنولوجيا النظيفة.
  • يمكن تعزيز المنظومة الحاضنة لريادة الأعمال من خلال إطلاق المُسرعات (accelerators)، ومأسسة مشاركة المستثمرين الملائكة (angel investors)، وتقديم محفّزات للمستثمرين من أجل تمويل الشركات التكنولوجية (مثل ضمان الخسارة الأولى، والتمويل المماثل، والهبات، والقروض المدعومة).
  • إضافةً إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي، والبنى التحتية الأساسية، وسيادة القانون، أشار المنتجون إلى أهمية تعزيز حماية الحقوق الفكرية، واعتماد قانون إفلاس عملي وقابل للتطبيق، وتفعيل لوجستيات الحزمة العريضة (broad band).

 

الزراعة والأعمال الحِرَفية

  • يملك لبنان القدرة على تحسين مكانة الأعمال الزراعية والأعمال الحِرَفية التقليدية في سلسلة القيمة المضافة، من خلال استخدام المهارات المتوافرة والإبداع والثقافة والاعتماد على علاقات المغتربين اللبنانيين في بلدان الانتشار من أجل تحفيز أسواق التصدير.
  • تستفيد الأعمال الزراعية في لبنان من السمعة الجيدة والابتكار والتصميم، ويمكنها تطوير مجموعة واسعة من المنتجات للاستهلاك المحلي والتصدير. ومن أبرز المنتجات: المربّيات، والهلام بنكهة الفواكه، والفواكه، والمكسّرات، والخضار.
  • من أجل تحقيق تقدّم في هذا المجال، يجب استخدام الأراضي على نحوٍ أفضل، وتطوير الري الحديث والخدمات الداعمة (مثل التخزين والتصميم والتسويق والتوضيب والنقل)، وتطوير المعايير وآلية الترخيص في ما يتعلق ببعض المنتجات الخاصة مثل المأكولات العضوية.

 

التصنيع والخدمات التقليدية

  • في لبنان قصص نجاح قد تفاجئ البعض. فقد تمكّنت ثلاث شركات لبنانية مثلًا من إنتاج أجهزة تنفّس اصطناعي لمواجهة النقص خلال أزمة "كوفيد 19"؛ وتؤمّن شركات عدّة منتجات متخصصة جدًا لشركات عالمية على غرار "ديزني" (التي تعتمد على لوحات مفاتيح كهربائية مصنوعة في لبنان)، و"رينو" و"فولفو". وتستخدم شركة "بي إم دبليو" روبوتات وتقنيات ذكاء اصطناعي مصنوعة في لبنان. ولذلك يُطرَح السؤال، لماذا تقتصر هذه الإنجازات على حالات نجاح فردية ولم تُطوَّر بعد وتتحوّل إلى مراكز أوسع للإنتاج؟
  • أتاح تدهور سعر الصرف فرصة لاستبدال الواردات. وفقًا لتقديرات المنتجين، تستطيع البلاد، حتى ضمن إمكاناتها الإنتاجية الراهنة، أن تستبدل واردات تترواح قيمتها بين 3 و5 مليارات دولار.
  • "البراند اللبناني" هو أصولٌ ذات قيمة كبيرة جدًا، إذ يجمع بين التراث الثقافي والابتكارات، ويمكن أن يقود إلى ابتكارات مهمّة في قطاعات تقليدية منها الأعمال الحرَفية ذات القيمة العالية، والسياحة، والموضة والنسيج، والأغذية الزراعية المستدامة، ومستحضرات التجميل، والأدوية المستحضرات الصيدلانية.
  • بغية الإفادة من دور المغتربين اللبنانيين، من الضروري مأسسة مشاركتهم بما في ذلك من خلال الشبكات الاغترابية، والمنتديات الاستثمارية، وتبادل المعارف.
  • ثمة فرصٌ سانحة أمام لبنان كي يتحوّل إلى مركز تلجأ إليه أسواق مجلس التعاون الخليجي والأسواق الأوروبية للاستعانة بخدماته في التصنيع والإنتاج (near-shoring). يشمل ذلك تصنيع منتجات متخصصة مع خطوط إنتاجية مرنة قادرة على مواكبة النزعات الاستهلاكية التي تتبدّل بسرعة. في هذا الصدد، من شأن الاستخدام المكثّف للتجارة الإلكترونية أن يتيح التواصل مباشرةً مع سلاسل التموين (supply chains) وكذلك مع المستهلكين للوقوف على آرائهم وتقييماتهم. ويجب التعاون على المستوى الحكومي من أجل تحسين العلاقات التجارية.
  • عند توافُر البنى التحتية الملائمة، تستطيع المناطق المؤلَّفة من مجمّعات صناعية متخصصة (specialized industrial parks) المساهمة في تعزيز الابتكار، واستقطاب الاستثمارات، وإشراك المغتربين. من شأن هذه المجمّعات أن تستقطب الجامعات والمعاهد المهنية والمختبرات، وأن تتحوّل إلى مراكز مزدهرة للنمو.
  • في ضوء الروابط التاريخية والحضور الاغترابي اللبناني، يجب أن تكون علاقات لبنان التجارية مع أوروبا أوسع بكثير مما هي عليه راهنًا. يكفي أن يستحوذ لبنان على حصّة ضئيلة من الواردات الأوروبية التي تصل قيمتها إلى 5 تريليونات دولار، كي يُحدث ذلك فارقًا كبيرًا في سلّة الصادرات اللبنانية.

 

بعض الملاحظات عن النموذج الاقتصادي المنشود

 

يمكن إيراد العديد من الملاحظات المهمة بشأن النموذج المنشود من أجل لبنان جديد:

 

أولًا، قائمة السلع التي يمكن إنتاجها واسعة. وهذه ليست مجرد أمنية. في الستينيات والسبعينيات، قامت البلاد بتصنيع مجموعة واسعة من المنتجات التي كان بعضها ذا مستوى متقدّم من التطوّر التقني. اللافت هو أن القائمة كانت منوَّعة من دون التركيز على خط إنتاجي واحد. حتى في الوقت الراهن، تُصنَّع منتجات متخصصة ذات قيمة عالية إنما على نطاق صغير نسبيًا، ويقوم بتصنيعها عدد محدود من الشركات الناجحة. وعدم القدرة على توسيع القدرة الإنتاجية للمنتجات الناجحة دليلٌ على وجود عوائق مهمة أمام الدخول إلى مجال الإنتاج، منها ضعف الوصول إلى التمويل، والنقص في أعداد العمّال الماهرين، والأجواء غير المؤاتية للأعمال. يُشكّل تخفيف هذه القيود جزءًا مهمًا من استراتيجية النمو في المستقبل.

 

ثانيًا، يُقدّم عدد كبير من القطاعات الواردة  في المربّع الثاني فرصًا جديدة لم تكن موجودة قبل عقد من الزمن. فالسياحة البيئية، والمأكولات العضوية، والأعمال الحرَفية العالية القيمة استحوذت مؤخرًا على اهتمام المستهلكين، والطلب عليها جديد نسبيًا. وسلاسل التموين العالمية التي تتيح تصنيع منتجات تشغل مواقع متقدّمة في سلسلة القيمة، حديثة العهد أيضًا. وقد اكتسبت الخدمات الإلكترونية زخمًا بفعل ثورة الاتصالات، وباتت الآن الفئة الأسرع نموًا في التجارة العالمية. فضلًا عن ذلك، ازدادت أعداد المغتربين اللبنانيين بوتيرة سريعة في الماضي القريب، ومَن غادروا البلاد مؤخرًا يحافظون على تعلّق شديد بوطنهم الأم. في كل هذه الجوانب، الميزات التفاضلية التي يتمتع بها لبنان هي أكثر قيمة الآن مما كانت عليه في السابق.

 

ثالثًا، تقع التكنولوجيا في صلب الأنشطة حيث يتمتع لبنان بكفاءات أساسية (تشمل هذه الأنشطة القدرة على التصميم الدقيق (design) والرعاية الصحية والتعليم والزراعة والسياحة). وثمة قطاعات جديدة تلقى إقبالًا مثل المأكولات العضوية والطاقة النظيفة وإدارة المياه، ويمكن أن تصبح هذه القطاعات تنافسيةً إذا أُدخِلت إليها التكنولوجيا المتطورة. وفي هذا المجال، يستطيع لبنان أن يعوّل على مؤسساته التعليمية العريقة، وعلى الشبكة العالمية من الخبراء وروّاد الأعمال اللبنانيين.

 

رابعًا، يرتبط العديد من فرص النمو أيضًا بالمضمون الثقافي الذي يؤمّن "العلامة التجارية" المتميّزة: "صُنِع في لبنان". وعلى وجه الخصوص، ثمة حاجة إلى إسهامات ثقافية لدعم توسيع الخدمات المستندة إلى الإنترنت والذكاء الاصطناعي نحو الأسواق العربية. ففي حين أن البلدان الناطقة باللغة العربية تضم نحو 5 في المئة من مجموع السكان في العالم، يُشكّل محتوى المواقع الإلكترونية العربية أقل من واحد في المئة من المحتوى العالمي، ما يتيح فرصة فريدة للجمع بين القيمة المضافة العلمية والثقافية خلال العقد المقبل. مجددًا، هذه ليست أمنية، بل إنها متجذّرة فعليًا في التاريخ اللبناني. ففي القرن التاسع عشر، تولّى مثقّفون لبنانيون من أمثال بطرس البستاني وأحمد فارس الشدياق قيادة حركة النهضة القومية العربية التي ساهمت بربط الاقتصاديات العربية بالاقتصاد العالمي عمومًا والغربي خصوصًا.

 

خامسًا، يجب أن تعتمد مجالات النمو الواعدة على الاغتراب اللبناني الذي يتميّز بتنوّعه وانتشاره الواسع، فالمغتربون هم مستهلكون للمنتجات المصنوعة في لبنان؛ ومساهِمون في خطوط الإنتاج من خلال الروابط الفريدة التي تجمعهم بمصنّعين عالميين؛ ومموِّلون على صلة بشبكات مالية إقليمية وعالمية؛ ومورِّدون للتكنولوجيا والمعلوماتية. ومن الأمثلة التي برزت مؤخرًا في هذا المجال ما ذكره عدد كبير من روّاد الأعمال عن نموذج في الأعمال حيث أُنجِزت العملية الإنتاجية بصورة مشتركة بين الداخل والخارج، وقد استشهدوا بهذا النموذج معتبرين أنه وسيلة لتحقيق المرونة في مواجهة الصدمات الداخلية وللحفاظ على اليد العاملة ذات المهارات العالية من خلال عرض فرص عليها للعمل في الخارج. بالطبع، إذا تحسّنت الأوضاع الاقتصادية في لبنان، يمكن أن ترتفع القيمة المضافة المحلية. وعلى صعيد منفصل، إنما في الإطار عينه، يتمتع العمّال اللبنانيون ذوو المهارات العالية عادةً بالحرَكية ويهاجرون ما إن تتدهور الأوضاع. ففي سبيل تحفيزهم للعمل والعيش في لبنان، يجب أن يتوافر الاستقرار الأمني إنما أيضًا العوامل التي تجذبهم وتؤمّن لهم نوعية حياة جيدة.

 

سادسًا، تتطلب القطاعات والمنتجات الواعدة مجموعة منوّعة من المهارات. ولكن يجب الإشارة إلى أن التوليف والتوازن ما بين العمّال ذوي المستويات المختلفة أمرٌ غير سهل وهو من المعضلات التي تتكرر في تجارب بلدان نامية أخرى. وفي حين أن القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة ضرورية، ثمة حاجة أيضًا إلى قطاعات توظّف عمّالًا ذوي تحصيل علمي أدنى مستوى كي يكون النمو شاملًا. فوجود أنشطة تتطلب مختلف المستويات من المهارات يجعل من الأسهل مواجهة تحدّي العدالة الاجتماعية الذي يترافق مع النمو (انظر القسم الثالث). وهذا لا يُلغي بالطبع الحاجة إلى قطاع صناعي متوازِن وإلى سياسات تضمن العدالة والحرَكية الاجتماعيتين.

 

أخيرًا، يكتسي التنويع المناطقي أهمية محورية أيضًا. في الواقع، يمكن تحقيق اللامركزية بسهولة في مجال السلع والخدمات ذات القيمة المرتفعة مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والخدمات المتصلة بالثقافة، خصوصًا وأن لبنان يتمتع بمزايا في هذه الميادين. ويمكن أن تؤمّن اللامركزية المناطقية مستويات معيشية أفضل للعمّال، وأن تتيح للبلديات في مختلف أنحاء البلاد التنافس على نحوٍ أفضل لاستقطاب الشركات. في هذا الصدد، تصبح الجوانب البيئية والثقافية محوريةً ليس فقط من منظار أخلاقي أو صحي، بل هي أيضًا أساسية للتنافسية. مثلًا، إذا تأمَنت أجواء ثقافية غنيّة للعمل مع مراعاة الشروط البيئية، فقد يقتنع روّاد الأعمال بإقامة شركاتهم في مواقع قريبة من بلدات لبنانية صغيرة تُصان وتُدار على نحوٍ جيد، بدلًا من دبي مثلًا، تمامًا مثلما يفضّل روّاد الأعمال الإيطاليون الذين يصنّعون منتجات ذات قيمة عالية العمل في بيدمونت بدلًا من تورينو أو هامبرغ.

 

القسم الثاني. المعوّقات التي يجب تخطّيها

 

من الواضح تمامًا أن هناك هوّة شاسعة بين إمكانات لبنان الإنتاجية (التي تنعكس في تطلعات المواطنين) والمستوى الحالي من الدخل والإنتاج. من أجل ردم تلك الهوّة، يجب إلغاء المعوّقات التي تُلقي بثقلها على الابتكار والنشاط.

 

النطاق

 

نقطة الانطلاق هي أن البلاد تمتلك قاعدة تصدير صغيرة الحجم قوامها منتجات صناعية بقيمة 2 إلى 3 مليارات دولار، وخدمات بقيمة 15 مليار دولار. الهدف هو العمل سريعًا على توسيع تلك القاعدة وزيادة حجمها. ولكن العديد من الصادرات أصيبت بالضعف البنيوي بعد الأزمة، ولن تكون استعادتها سهلة. خير دليل على ذلك الخدمات المصرفية. وبانتظار أن تتحسّن الحوكمة والأمن والخدمات المالية، قد تواجه السياحة أيضًا صعوبة في العودة إلى مستويات ما قبل الأزمة.

 

يكفي في هذا الإطار إجراء حسابات بسيطة وسريعة لتكوين فكرة عن الموضوع. لنفترض، منطقيًا، أن الهدف هو أن يستعيد إجمالي الناتج المحلي اللبناني المستوى الذي كان عليه في عام 2018، أي 60 مليار دولار. إحدى القواعد الجيدة المستمدة من التجربة هي أنه في الاقتصادات المنتِجة التي تعتمد على الإنتاج (بدلًا من الاستهلاك والديون)، يجب أن يكون معدّل الصادرات إلى إجمالي الناتج المحلي 50 في المئة. يعني ذلك أنه يجب رفع مستويات التصدير الحالية إلى أكثر من الضعف، وبنسبة 50 في المئة فوق أعلى رقمٍ حققته الصادرات في الماضي. لن يكون ذلك سهلًا. ويتطلب تحقيقه خمس سنوات إذا سجّل النمو في التصدير نسبة 10 في المئة سنويًا، وعشر سنوات إذا كان النمو أكثر محافظية، أي 5 في المئة.

 

إذًا حجم التحدّي هائل. وما يزيد الأمور سوءًا أن لبنان سيفقد سريعًا ميزاته التفاضلية إذا لم تُتَّخذ أي خطوات (انظر المربع 3). تترك الأزمة الراهنة ندوبًا عميقة، فقد لحقت أضرار بـ"البراند اللبناني"، وتغادر المهارات (والرساميل) البلاد، وتتفكك القدرات التي تراكمت على مر السنين مع قيام الشركات التي تستحوذ على هذه القدرات بإغلاق أبوابها؛ وتنهار جودة التعليم سريعًا؛ وتُلحِق السياسة الخارجية المعقّدة الأذى بجزء كبير من المغتربين لا سيما في دول مجلس التعاون الخليجي. الوقت أساسي. إذا لم يتبدّل المسار، قد يكون لبنان مقبِلًا على ضياع جيل بكامله.

 

كيف ننتقل من مستويات التصدير الراهنة إلى المستوى المنشود؟ ثمة احتمالان مختلفان. الخيار الأول قائم على التمدد، من خلال دعم توسيع الشركات القائمة، وتشجيع داخلين جدد، وتوسيع أقطاب النمو حول تلك الشركات. والخيار الثاني قائم على العمق، من خلال التركيز على عدد صغير من الاستثمارات الكبيرة. في الواقع، تستطيع 30 شركة فقط بحجم شركة "موريكس" اللبنانية الناجحة المتخصصة في البرمجيات الإلكترونية التي اختارت نقل معظم عملياتها إلى فرنسا، أن تقودنا إلى هدفنا. يمكننا أن نتخيّل في هذا السياق استقطاب شركة كبيرة لتصنيع السيارات إلى صور، وشركة لتصنيع الأدوية والمستحضرات الصيدلانية إلى جونيه، وشركة زراعية كبيرة إلى شتورة. ويمكن أيضًا البناء على شبكة المفروشات والأعمال الحرَفية المزدهرة في طرابلس من أجل إنشاء شركة عملاقة في مجالَي الأثاث والتصميم. ويضم الجنوب والبقاع شبكات مركَّزة بإمكانها أن تتحوّل إلى مواقع مهمة وضخمة للأعمال الزراعية. ويمكن لكل واحدة من هذه المناطق أن تتحوّل إلى منظومة حاضنة وقائمة بذاتها بما يتيح عزلها عن الصدمات في أماكن أخرى في البلاد. طبعًا الحل هو في الوسط بين الخيارَين. ففي المدى القصير، يتعذّر على الأرجح تنفيذ مشاريع كبرى بتمويل من استثمارات خارجية مباشرة، والشركات الأصغر حجمًا هي أكثر قدرة إلى حد كبير على تحمّل الصدمات. ولكن مع مرور الوقت، يجب عدم استبعاد إمكانية إنشاء كيانات إنتاجية كبيرة.

 

إخفاق الدولة

 

كي يصبح الاقتصاد اللبناني منتِجًا، يجب إجراء عملية إصلاح واسعة في الحوكمة والمؤسسات. والدولة الفاعلة شرطٌ أساسي في هذا السياق. ولكن الدولة اللبنانية أسيرة المصالح الطائفية والأوليغارشية التي تسببت على نحوٍ متزايد بشلّ قدرتها على العمل بطريقة فعّالة واتخاذ قرارات تصبّ في إطار المصلحة العامة. لقد حان الوقت كي تستعيد الدولة دورها الأساسي في بناء مواطنةٍ قوامها المساواة والفعالية. على صعيد ملموس، يتطلب ذلك تعيينات على أساس الكفاءة والجدارة بعيدًا من الاعتبارات الطائفية؛ ونظمًا راسخة للمراقبة والإشراف؛ ولامركزية مناطقية فعّالة.

 

يجب أن تتيح المؤسسات والسياسات تصنيع منتجات قابلة للتداول التجاري بدلًا من الاعتماد على الدولة أو الاستيراد أو العقارات. تترتب عن ذلك تداعيات على مجالات كثيرة منها سعر الصرف، والقطاع المصرفي، والسياسة المالية، والضرائب، وسيادة القانون، ومناخ الأعمال، وسياسات سوق العمل، وتقسيم المناطق، وتفعيل الاتفافات التجارية الخارجية، وعلى مستوى أعلى، الحوكمة واللامركزية والتعليم والدبلوماسية. لا يمكن تحقيق أي تقدّم على هذه الأصعدة من دون إجراء إصلاح عميق للحوكمة بما يُحدث تحوّلًا في طبيعة الدولة وطريقة عملها.

 

لقد تبيّن أن سياسات الاقتصاد الكلّي التي طُبِّقت خلال العقدَين الماضيين هي سياسات مدمِّرة للاقتصاد المنتج. فقد أدّت العجوزات المالية الكبيرة وغير المضبوطة إلى تراكم الديون. وتسببت أسعار الفوائد المرتفعة بتحويل الموارد بعيدًا من الاستثمارات المنتِجة. وارتفعت كلفة الإنتاج بسبب سعر الصرف المثبَّت عند مستوى أعلى من قيمته الفعلية. في غضون ذلك، حالت المعوّقات السياسية دون إصلاح الدولة وتأقلمها مع الظروف المتغيِّرة، وبلغت ذروتها مع الأزمة الراهنة.

 

لا بد أيضًا من اضطلاع الحكومة بدورٍ أكثر نشاطًا في مجال تحسين التعليم والنظام الصحي من أجل تحقيق النمو في المدى الطويل. وليس التركيز على التعليم شأنًا اجتماعيًا فحسب، بل هناك أيضًا عدم تطابق في الوقت الحالي بين ما يحتاج إليه الاقتصاد الجديد وما يُنتجه النظام التربوي. وبصورة عامة، ثمة حاجة إلى إصلاح الآليات المستخدَمة في تأمين جميع الخدمات الحكومية، من أجل تحسين الفعالية والحد من الهدر والفساد.

 

مناخ رديء للأعمال

 

من أجل التقدّم نحو اقتصاد منتج، يجب إجراء تحسينات عميقة في بيئة الأعمال. وفي هذا الصدد، ينبغي النظر فورًا في الخطوات الواجب اتخاذها بغية رفع مرتبة لبنان في التصنيف المتعلق بـ"سهولة القيام بالأعمال". فلبنان الذي عُرِف عنه سابقًا بأنه جنّة للقطاع الخاص، غرِق في الفساد والاحتكارات وسوء تطبيق سيادة القانون، فأصبح مناخ الأعمال لديه من الأقل جاذبية في المنطقة. على سبيل المثال، يُظهر استطلاع آراء أجراه المنتدى الاقتصادي العالمي وشمل روّاد الأعمال أن الفساد وغياب البنى التحتية المناسبة، والبيروقراطية الحكومية غير الفعّالة تتقدّم حتى على غياب الاستقرار السياسي في تصنيف العوائق الأساسية أمام القيام بالأعمال في لبنان.

 

أساءت المنظومة السياسية أيضًا تخصيص الموارد وولّدت بيئة يستشري فيها الفساد. ومن المؤشرات على مستويات الفساد المرتفعة جدًا تدنّي العائدات الضريبية وارتفاع التكاليف الإدارية للقيام بالأعمال. في هذا الإطار، تشير أغلبية كبرى من الشركات، في استطلاع أجراه البنك الدولي مؤخرًا، إلى أنها اضطُرَّت إلى دفع رشاوى من أجل الحصول على رخصة بناء أو استيراد. تترتب عن هذه المعوّقات تكاليف باهظة على الشركات المتوسطة الحجم التي تملك بالطبع إمكانات النمو الأكبر. ولذلك، تجد الشركات، في الظروف الراهنة، أنه من الأنسب لها أن تبقى صغيرة وأبعد ما يكون عن الدولة (أي أن تعمل في القطاع غير النظامي) أو أن تكون كبيرة جدًا وذات شبكة واسعة من المعارف وأن تحقق أرباحًا من خلال الكسب الريعي بدلًا من توليد الثروات.

 

تكشف الدراسات الأخيرة أن الشركات التي تملك شبكة روابط سياسية تمارس احتكارات في مجالات عملها، وتخدم مصالح الأشخاص الذين تجمعها بهم روابط، وتوزّع الوظائف على أساس الزبائنية والمحسوبيات. من الواضح أنه للهيكليات الاحتكارية تأثير سلبي على استحداث الوظائف لأنها تمنع المنافسة والابتكار وتحول دون دخول أطراف جديدة إلى السوق.

 

لقد فشلت الحكومات المتعاقبة، على الرغم من التعهدات السخيّة التي قدّمتها جهات مانحة خارجية، في تأمين البنى التحتية الضرورية من أجل بناء اقتصاد منتِج. وتتجلى الإخفاقات بالوضوح الأكبر في قطاع الكهرباء الذي كبّد الدولة خسائر تشكّل ثلث الدين العام، وأخفق حتى الآن في تأمين الخدمات الأساسية. وتُشكّل البنى التحتية واللوجستيات الضعيفة معوّقات أساسية أمام القيام بالأعمال. إضافةً إلى ذلك، تَخلّف لبنان عن ركب الدول الإقليمية في نشر تكنولوجيات الاتصالات وإدارتها واستخدامها. وتبرز ثلاث أولويات في هذا الإطار: تأمين خدمة إنترنت سريعة ومتدنّية الكلفة للشركات؛ وتنظيم القطاع الرقمي؛ وإجراء تحسينات في مجالات المشاركة الإلكترونية، مثل الحكومة الإلكترونية والتجارة الإلكترونية والتعليم الإلكتروني.

 

تحتاج القوانين والتنظيمات إلى إصلاح واسع. فالتنظيمات المتعلقة بمقتضيات الدخول إلى السوق، وقوانين العمل، والترخيص والأذون، إلخ. أصبحت جميعها بائدة، إذ يعود عدد كبير من القوانين إلى مرحلة ما قبل الحرب، إن لم تكن أقدم من ذلك. وهكذا، تُترَك الأمور إلى حد كبير لسجيّة المسؤولين الحكوميين ما يؤدّي إلى غياب الكفاءة والفعالية في أفضل الأحوال وانتشار الفساد في أسوَئِها.

 

المربع 3. المعوّقات أمام الإنتاجية: ماذا يقول روّاد الأعمال

 

تراجعت ميزات لبنان التفاضلية مع مرور الوقت، وتتسبب الأزمة الراهنة بإفلاس عدد كبير من الشركات ذات الإمكانات الجيدة.

 

فقد أدّى تثبيت سعر الصرف بأعلى من قيمته الحقيقية لفترات طويلة، إضافةً إلى أسعار الفوائد الحقيقية المرتفعة، إلى القضاء على القدرة الإنتاجية.

 

لقد فشلت المؤسسات الضعيفة في تحقيق الإصلاحات القانونية والتنظيمية والإدارية والضريبية والنقدية والمالية الضرورية. القوانين الحالية غير قادرة على دعم الابتكارات في التكنولوجيا، والإطار التنظيمي لا يحمي حقوق الملكية الفكرية.

 

من المعوّقات الأساسية أيضًا ضعف البنى التحتية (الطرقات، المواصلات، الكهرباء، الموانئ، إلخ.). ويُشكّل الضعف الشديد في البنى التحتية للاتصالات والإنترنت عائقًا أساسيًا أمام ظهور خدمات قابلة للتصدير.

 

تتسبب إجراءات الشحن والتصدير المعقّدة بتنفير الشارين في الخارج. وقد أصبح موقع لبنان الجغرافي أقل أهمية على مستوى الميزات التفاضلية التي تتمتع بها البلاد، ولكن لم يجرِ العمل على تطوير السياسات الضرورية كي يتمكّن لبنان من إعادة الاندماج على الساحة العالمية.

 

لقد بات النظام التعليمي عاجزًا عن تلقين المهارات اللازمة من أجل التنافس على الساحة الدولية، أي من خلال ريادة الأعمال والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والهندسة والتصميم ومهارات التواصل.

 

تتسبب الأزمة الراهنة بهجرة واسعة للأدمغة، ويقبل الأكثر كفاءةً عروضًا في الخارج، فيغادرون البلاد مع عائلاتهم.

 

ثمة قنوات قليلة لتمويل الشركات التقنية والناشئة من خلال الرساميل الاستثمارية والاستثمارات الخارجية المباشرة. تفتقر المصارف التجارية إلى الخبرة والرغبة في تمويل هذه الشركات وضمان مخاطر التكنولوجيا.

 

ولم يُعمَل على تطوير البنى التحتية للمعلومات في قطاع التصدير، في ظل غياب التقييمات التي تجريها أطراف ثالثة (والتي تترافق مع إصدار شهادات وإفادات تسجيل)، وغياب قواعد البيانات وسجلات المنتجين، والتسويق غير الكافي للمنتجات المحلية في الخارج.

 

أحد المقتضيات المطلوبة للانتقال إلى نموذج مستند إلى الإنتاج والتصدير هو حدوث تغيير في الذهنيات. على المستوى الشخصي، يتطلب ذلك استعادة الشعور بالفخر عند إنجاز عمل على أكمل وجه، وتثمين الكفاءة والجدارة. وعلى سبيل المثال، لفت أحد المشاركين في جلسات النقاش إلى أنه من أجل الحفاظ على مهارات نقش الخشب الفريدة من نوعها في طرابلس، ينبغي على الحِرَفيين أن يبدأوا بتعليم هذه الحرفة إلى أحفادهم وحفيداتهم، نظرًا إلى أن أبناءهم يعتاشون من بيع هواتف الآيفون. على مستوى الشركات، يقتضي ذلك الابتعاد عن الكسب الريعي والواسطة والتحوّل نحو توليد الثروات والإنتاجية، وتحديث إدارة الشركات من أجل تحقيق قفزة في الحجم.

 

القسم الثالث. نحو إطلاق عجلة النمو المستدام

 

بلغ الانهيار الاقتصادي اللبناني أحجامًا هائلة. فبعدما كان حجم الاقتصاد 60 مليار دولار في عام 2018، تشير التقديرات الأوّلية لعام 2021 إلى أنه تدنّى إلى أقل من 20 مليار دولار. هذا الهبوط الحاد هو انعكاسٌ لانهيار النشاط الاقتصادي والتدهور الشديد في سعر الصرف. على الصعيد البنيوي والهيكلي، أصبح الاقتصاد في موقع ضعيف جدًا بسبب الهجرة الكثيفة للأدمغة والتراجع الشديد في القدرة الإنتاجية.

 

عند توقُّف الانهيار (وبعد حدوث قفزة تلقائية قصيرة الأمد)، سنجد أنفسنا في مواجهة منعطف وجودي. فإما أن يشهد الاقتصاد مسارًا على شكل حرف L حيث يكون النمو معدومًا، وإما يشهد معافاة على شكل حرف V تُعيد الاقتصاد إلى مستوى يلبّي تطلعات المواطنين.

 

 

للأسف، المسار الأكثر تفاؤلًا ليس نتيجةً محسومة. الأمثلة الدولية كثيرة عن حالاتٍ لا تُستتبَع فيها الأزمات بمعافاة مستدامة، ففي تلك الحالات يتخبّط الاقتصاد في الفقر طوال عقود. ولسوء الحظ، احتمالات سلوك مسار على شكل L ليست متدنّية في لبنان. فالرياح المعاكسة (الشلل السياسي، المؤسسات المتداعية، الهواجس الأمنية، الخلل في المنظومة المصرفية، إلخ.) قويّة، وسوف تؤدّي، إذا بقيت من دون معالجة، إلى إجهاض المعافاة. علاوةً على ذلك، تتسبب الأزمة بحد ذاتها بـ"ندوب" طويلة الأمد ستؤدّي إلى إضعاف بنيوي لإمكانات لبنان في المدى الطويل، من خلال هجرة الأدمغة الكثيفة والضرر اللاحق بسمعة "البراند اللبناني".

 

التحدّي إذًا هو في استنباط القرارات الفعّالة في السياسات والعمل على تنفيذها كي تنطلق البلاد على مسار النمو المنشود.

 

في ما يلي، نميّز بين ملفّات السياسات التي يجب معالجتها على الفور (لإطلاق عجلة النمو) والملفات التي تندرج في إطار المتابعة (لتحقيق الاستدامة في النمو).

 

أ- إطلاق عجلة النمو

 

يجب أن تباشر حكومةٌ متمكِّنةٌ معالجةَ مجموعة من الملفات الطارئة بما يطمئن المواطنين إلى أنه يجري العمل على "تصحيح" الاقتصاد. من الضروري أن يكون هناك أمل حقيقي بأننا على المسار الصحيح من أجل إطلاق عجلة المعافاة.

 

ما هي تلك الملفات الطارئة؟ حددنا ثلاثة ملفات: إصلاح المالية العامة بما في ذلك معالجة الديون المتراكمة؛ وإعادة هيكلة القطاع المالي؛ وإعادة صياغة سياسات الاقتصاد الكلّي. لا بد من الإشارة إلى أن هذه الملفات ليست الحل الأخير والشامل وإنما الخطوة الأولى التي يجب أن تتبعها سياسات "تحقيق الاستدامة". ولسنا نتوهّم بأنه يمكن إنجازها في فترة قصيرة، إنما ما نقصده هو أن هذه الخطوات الإصلاحية هي نقطة الانطلاق الضرورية للشروع في المسار الطويل.

 

إعادة هيكلة الديون وإصلاح المالية العامة

 

تعاني المالية العامة اللبنانية من نقاط ضعف مزمنة:

  • هيكلية إنفاق تعاني من خلل كبير في التوازن من خلال تخصيص حصّة الأسد لمجالات غير منتِجة (الإنفاق السياسي؛ منظومة الدعم المسيّسة وغير الفعّالة؛ رواتب مضخّمة وغير مجدية)، في حين خُصِّصت مبالغ ضئيلة للإنفاق الاجتماعي والإنفاق على البنى التحتية؛
  • انتشار الهدر والفساد؛
  • ضعف أطر الحوكمة (آليات غير منتظمة لوضع الموازنات؛ غياب الشفافية في صناعة القرارات؛ ضعف التدقيق في الحسابات؛ الإنفاق من خارج الموازنة)؛
  • نظام ضريبي رجعي يعاني من مشكلات مستفحلة على صعيد الجباية.
  • وقد كانت النتيجة تسجيل عجوزات ضخمة تراكمت مع مرور الوقت وتحوّلت إلى مشكلة مديونية أدّت إلى وقوع الأزمة الراهنة.

 

ومن هذا المنطلق، يجب العمل فورًا على معالجة الانهيار المالي، وأن يترافق ذلك مع إصلاحات بنيوية، فهذه الخطوات ضرورية من أجل استعادة الثقة وإطلاق عجلة النمو. وفي هذا الصدد، ينبغي تسليط الضوء على أربع مسائل:

 

أولًا، يجب أن تكون استدامة المالية العامة مبدأ أساسيًا. سيكون من الصعب للغاية إطلاق عجلة النمو إذا لم تتم معالجة الديون المتراكمة. وفي هذا الإطار، يجب التوصل فورًا إلى اتفاق مع الدائنين لإجراء خفوضات كبيرة في رصيد الدين. لقد أوصينا، في تقرير آخر، بمعالجة مسألة الديون بما يؤدّي إلى خفض المديونية إلى مستوى مستدام تتراوح نسبته بين 60 إلى 80 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. وبعد أن يصبح عبء الديون قابلًا للإدارة، يجب الحرص على ألا تقوم الحكومة من جديد بتوليد العجوزات الضخمة التي ستؤدّي إلى تجدّد مشكلة المديونية. وفي هذا الصدد، يجب النظر في اعتماد قوانين تمنع الدولة من توليد عجوزات كبيرة.

 

ثانيًا، ينبغي على الحكومة الإعلان عن موازنة مفصّلة لعامَي 2021 و2022 تُحدّد أولويات الإنفاق الاستراتيجي، إضافةً إلى العمل فورًا على خفض العجز الأوّلي. وعلى وجه التحديد، يعاني التوظيف في القطاع العام من التضخّم بطريقة سرطانية، ولذلك يجب ترشيده على نحوٍ واسع (لا سيما المنافع والمستحقّات التقاعدية). ويجب العمل فورًا على تفكيك القنبلة الموقوتة التي يشكّلها النظام التقاعدي، وعلى إصلاح منظومة الدعم وترشيدها. ولا شك في أن إصلاح مؤسسة كهرباء لبنان هو بندٌ أساسي في هذا الملف. من جهة أخرى، الإنفاق الأساسي على الملفات الاجتماعية والبنى التحتية غير كافٍ على الإطلاق، ويجب زيادته إلى حد كبير. يكتسي هذا الأمر أهمية أساسية نظرًا إلى الأزمة الاجتماعية التي نواجهها راهنًا والسياق الأوسع للتفاوت الشديد في المداخيل وبين منطقة وأخرى.

 

ثالثًا، ثمة حاجة ملحّة إلى معالجة الانهيار الأخير في الإيرادات الحكومية. السبيل الأفضل لتحقيق ذلك هو في إطار مراجعة استراتيجية أوسع نطاقًا للمنظومة الضريبية من خلال تجنّب الإجراءات المرتجلة. وعلى وجه الخصوص، تفتقر المنظومة الضريبية بشدّة إلى الفعالية، فقاعدتها ضيّقة وتعاني من ثغرات كثيرة ومن اعتمادها الشديد على الطابع الرجعي. ولكن يجب أن تندرج زيادة الإيرادات الضريبية في إطار برنامج تصحيحي ذي مصداقية، على أن تترافق مع إصلاحات سياسية تولّد ثقة أكبر بالدولة وبسياسة زيادة الضرائب المفروضة على المواطنين. كذلك، يجب أن تقوم أي رؤية من أجل "لبنان جديد" على نظام مالي أكثر فاعلية وعدلًا. وتشمل الإصلاحات المطلوبة إعادة دوزنة الهيكلية الضريبية كي تصبح أكثر إنصافًا، وتعزيز الامتثال الضريبي، وتوسيع القاعدة الضريبية، بما في ذلك من خلال الحد من النشاط غير النظامي. وينبغي أيضًا استبدال الإعفاءات التي تشجّع الكسب الريعي بإعفاءات استهدافية تصب في إطار المصلحة العامة. وتشمل التحديات الجديدة استنباط طرق لبناء تحالفات دولية من أجل الحد من التهرّب الضريبي. وفيما يصبح العالم أكثر شفافية، لن يكون هناك مكانٌ للملاذات الضريبية في المستقبل. من جهة أخرى، يصعب اعتماد منظومة ضريبية ناجحة إذا لم يتم إلغاء السرّية المصرفية.

 

رابعًا، ثمة حاجة أيضًا إلى مقاربة عقلانية ومتّزنة لأصول الدولة وموجوداتها. فنظرًا إلى حجم الفجوة المالية التي وقعت البلاد فيها، لا بد من أن يكون لأصول الدولة دورٌ في الحلول الهادفة إلى معالجة الدين العام وأوضاع القطاع المصرفي. يجب التركيز على تحسين إدارة المرافق التي تحتكرها الدولة من أجل زيادة الإرباحية وتحسين الخدمات. وفي هذا الصدد، يجب النظر في اعتماد أفضل المقاربات الدولية (على غرار تلك التي استخدمتها حكومة سنغافورة مثلًا).

 

إعادة هيكلة القطاع المالي

 

 

ليس القطاع المصرفي مفلسًا على المستوى المالي فحسب، بل يحتاج إلى إعادة هيكلة عميقة كي يتناسب مع التطلعات إلى لبنان جديد. خلال العقدَين المنصرمين، تحوّل القطاع إلى أداة تمكين أساسية للدولة الريعية، وكان أداةً لتراكُم المديونية والاستهلاك غير الفعّال اللذين كانا وراء اندلاع الأزمة.

 

من الضروري أولًا وبصورة ملحّة أن تنطلق بأسرع وقت ممكن جهودٌ ترمي إلى ترتيب أوضاع القطاع المصرفي. فإطلاق عجلة النمو يحتاج إلى الأكسيجن الذي لا يمكن تأمينه إلا من خلال قطاع مصرفي فاعل. لا بد من إعادة صياغة قانون المصارف، ومن التدقيق في كل مصرف على حدة بما يتيح تنفيذ الدمج الذي يشكّل حاجة ماسّة. ويجب أن تتولى هذه المهمة هيئة (مستقلة) لإعادة هيكلة المصارف. وفي هذا الإطار، يجب النظر في تجميع الأصول المتعثّرة في كيانٍ لأغراض خاصة (Special Purpose Vehicle) مع السماح للمصارف التي تُعتبَر أوضاعها أفضل بمواصلة العمل. ونحن على يقين شديد من أنه يمكن إصلاح القطاع بطريقة تصون حقوق صغار المودعين.

 

بعد إعادة هيكلة القطاع المصرفي واستعادته عافيته، يجب على الحكومة الشروع في تنفيذ ثلاث مبادرات استراتيجية. أولًا، يجب أن يكون لبنان الجديد أقل اعتمادًا على النظام المصرفي التقليدي. فالقطاع المصرفي بالشكل الذي كان عليه قبل الأزمة أكبر بكثير من احتياجات البلاد. يجب النظر في الفصل قانونًا بين أنشطة الوساطة (أي توظيف الودائع والإقراض التجاري) والأنشطة الاستثمارية. في هذا السياق، نشدّد على أهمية ترسيخ دور الأسواق المالية ذات الدور الأوسع من القطاع المصرفي.

 

ثانيًا، يجب أن يلعب المغتربون دورًا أساسيًا في التفكير في مستقبل القطاع المالي. فالاغتراب اللبناني يضم مواهب متميّزة جدًا في المجال المالي، ناهيك عن وجود رساميل لبنانية طائلة في الخارج والتي يمكن ويجب إعادة استقطابها.

 

أخيرًا، ينبغي إصلاح القوانين والتنظيمات. فالنظام المالي اللبناني يعاني من تشوّهات شديدة في إدارته، من خلال عدم التقيّد بالقواعد الائتمانية، وغياب الشفافية، والتضارب الشديد في المصالح، والإقراض المترابط، والترابط بين أعضاء مجالس الإدارة. وترزح المنظومة أيضًا تحت وطأة الترتيبات القائمة على الكارتلات والاحتكار من فئات قليلة. يجب إجراء إعادة صياغة جذرية لقوانين القطاع المالي، والعمل على إدخال تحسينات واسعة في آليات التنفيذ والمراقبة. فمن شأن ذلك أن يعزز أهمية الإصلاح القانوني والقضائي على نطاقٍ أوسع.

 

تعديل النظام النقدي ونظام سعر الصرف

 

يؤدّي سعر الصرف والنظام النقدي دورًا محوريًا في تحوّل لبنان نحو اقتصادٍ يركّز على الإنتاج والتصدير بدلًا من الاستهلاك والاستيراد. وفي هذا الصدد، يجب التوقف عند ثلاثة مواضيع استراتيجية.

 

أولًا، مما لا شك فيه أن التدهور الشديد في  قيمة الليرة منذ وقوع الأزمة كانت له تداعيات وخيمة على مداخيل اللبنانيين ومدّخراتهم، ولكنه أتاح، في موازاة ذلك، ميزة "تنافسية" لا يجب التقليل من أهمية تأثيرها الإيجابي. نحن نعتبر أنه من المهم الحفاظ على هذه الميزة من خلال اعتماد منظومة مرنة لسعر الصرف تتيح التخلّص من الآثار السلبية لتثبيته على مر الأعوام الثلاثين الماضية (بما في ذلك عجوزات أكبر في الحساب الجاري، ارتفاع كلفة الإنتاج، واردات غير فعّالة، ارتفاع أسعار الفوائد، وتدفق الرأسمال المضارِب وغير المنتج). ولا شك في أن المرونة في سعر الصرف تترافق مع مخاطر شديدة قد تؤدّي إلى ارتفاع التضخم وتهديد الاستقرار المالي. لذلك يجب أن تقترن هذه المرونة مع سياسات نقدية ومالية حذرة ومدروسة.

 

ثانيًا، يخلق نظام أسعار الصرف المتعددة المعمول به راهنًا إشكاليات كبيرة. لذا يجب اعتماد سعر صرف موحّد. ولكن من أجل النجاح في توحيد سعر الصرف، يجب أن تتوافر كميات كبيرة من الاحتياطيات بالعملات الأجنبية، وأن تتدفق الرساميل من جديد إلى البلاد، ما يسلّط الضوء على أهمية التوصل سريعًا إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي.

 

أخيرًا، إصلاح سعر الصرف ضروري ولكنه ليس كافيًا لتحقيق المعافاة. فالحاجة هي أيضًا إلى إصلاح أوسع نطاقًا للسياسة النقدية. وفي هذا الصدد، يجب الشروع فورًا في تنفيذ الخطوتَين التاليتين: إقرار قانون فعّال لضبط حركة الرساميل (كابيتال كونترول)، واتخاذ تدابير مشددة لضبط السياسة النقدية التي تقف راهنًا خلف الضغوط التضخمية. وعلى صعيد بنيوي، ثمة حاجة إلى قانون جديد للنقد والتسليف ينص على حظر تمويل عجز مالية الدولة وعلى إلغاء السرّية المصرفية. تتطلب هيكلة المصرف المركزي عملية إصلاحية شاملة بما في ذلك إصلاح القوانين التي تنظّم عمل مصرف لبنان وترشيد وظائفه التنظيمية والقضائية التي أصبحت مع الوقت أوسع وأشمل من المطلوب.

 

ب- تحقيق الاستدامة في النمو

 

تشكّل الملفات الثلاثة أعلاه (المالية العامة والديون، والقطاع المصرفي، وسياسات الاقتصاد الكلي) نقطة الانطلاق لتحفيز النمو. ولكن بعد انطلاق عجلة النمو، يجب تدعيمه كي يكون مستدامًا لعقود طويلة، وليس لسنوات فقط. ومع أن هذه السياسات هي أقل فورية وإلحاحًا من الملفات الطارئة والمتعلقة بإطلاق عجلة النمو، يجب الإعلان عن خطة طريق واضحة ومدروسة لهذه السياسات.

 

من شأن السياسات التحوّلية أن تشجّع الاستثمارات الطويلة الأمد، وتساهم في وقف هجرة الأدمغة واستقطاب المغتربين للعودة إلى لبنان، وتحدّ من الاستهلاك والاستثمار القصير الأمد، وتولّد الأمل بالمستقبل بما يساهم في تأمين اللحمة بين مكوّنات المجتمع خلال الأزمنة العصيبة التي ستواجهها البلاد حكمًا في السنوات القليلة المقبلة.

 

ليست هناك وصفة معجزة للتنمية المستدامة. فمن أجل إطلاق عملية مثمرة وفعّالة، من الضروري الانتقال من المعادلات الخاسرة إلى المقاربات الرابحة التي يمكنها معالجة مشكلات العمل الجماعي والمساعدة على اجتياز المرحلة المقبلة المحفوفة بالمخاطر في فترة أقصر. الحاجة هي إلى أفكار ومؤسسات و"انتصارات مبكرة"، بحيث تتفاعل جميعها فتعطي الأمل بمستقبل أفضل تسوده العدالة الاجتماعية. وخلال تلك المسيرة الطويلة والشاقّة، يجب أن نحافظ على زخمٍ مثمر ونتجنّب الانتكاسات.

 

على الصعيد الملموس، تعني الاستدامة تحقيق الاستقرار في الاقتصاد الكلي، والفاعلية في أجهزة الدولة، والحرَكية الاجتماعية، والمساواة الجندرية والمناطقية، وحماية البيئة/التراث، والمرونة والقدرة على الاستمرار، وتحسين مناخ الأعمال. نتطرق أدناه إلى مجموعة من هذه السياسات.

 

دولة فعّالة مع لامركزية أكبر

 

يجب أن تتمتع الدولة بالفعالية. ويقتضي ذلك، وفقًا لما أشرنا إليه آنفًا، اعتماد الكفاءة معيارًا في التعيينات بدلًا من الاعتبارات الطائفية. يجب إجراء إصلاحات في الخدمة المدنية لخفض حجم البيروقراطية وإعادة توزيعها من خلال التركيز على القطاعات التي ينبغي توسيعها (مثل القطاعات الاجتماعية) بدلًا من الأنشطة غير المنتجة. ويتعيّن على الدولة أن تصبح أكثر انفتاحًا وشفافية إلى حد كبير في مشترياتها ونفقاتها، فتتحوّل بسرعة نحو اعتماد موازنة مفتوحة وشفّافة. لهذه الغاية، يجب تعميم الحكومة الإلكترونية على نطاق واسع.

 

نحن نعتبر أن اللامركزية ليست موجبًا سياسيًا بقدر ما هي أداة لتعزيز الفعالية الاقتصادية. فالقرارات تكون أفضل حين تكون أقرب إلى المستفيدين منها، هذا فضلًا عن أن المواطنين المحليين المعنيين قادرون على كبح الفساد بسهولة أكبر. تقوم اللامركزية على توزيع الوظائف على مستويات حكومية ومناطقية مختلفة لتعزيز فعاليتها، وفي موازاة ذلك، توزيع الموارد المالية على نحوٍ مناسب بهدف تحقيق التكافؤ بين المناطق وتأمين فعالية الإنفاق. إضافةً إلى ذلك، من شأن المرافق الحيوية مثل الطاقة والمياه وإدارة النفايات أن تستفيد من تركّز أقل ومنافسة أكبر. تُقدّم اللامركزية حوافز للبلديات والمناطق من أجل استقطاب الأشخاص والشركات، ما يؤدّي إلى تعزيز المرونة الاقتصادية، إذ يمكن حماية الشركات من الصدمات والافتراس حين تُشكّل جزءًا من مناطق صناعية محلية.

 

الاستدامة البيئية

 

ليست حماية البيئة ترفًا بل تقع في صلب "الميزات التفاضلية" التي يتمتع بها لبنان، وتتمثل بالتراث والموقع الجغرافي والبيئة الطبيعية. فالنمو الذي يتم على حساب هذه الأصول الطبيعية غير القابلة للمساومة يرتدّ بنتائج عكسية. ولذلك لا بد من إعطاء الأولوية للسياسة البيئية وتمويل هذا المجهود ضمن إطار تنظيمي أوسع وذي مندرجات واضحة.

 

تجدر الإشارة إلى أن الوضع الراهن للضرر البيئي ليس سيئًا تمامًا: ففي ما خلا مشكلة التلوّث الخطيرة وقطع الأشجار وتجريد الجبال من الغطاء النباتي، بقي الضرر البيئي محدودًا وقابلًا للتصحيح بسبب غياب النمو خلال العقد الماضي.

 

لا شك في أن الاكتشاف المحتمل للغاز والنفط في المياه اللبنانية سيشكّل تحولًا كبيرًا بالنسبة إلى لبنان الذي هو بأمس الحاجة إلى مصادر جديدة للثروات والرساميل. ولكن في الوقت نفسه، لا بد من الإقرار بأن اكتشاف النفط والغاز قد يؤدّي إلى تفاقم ثقافة الفساد والكسب الريعي في لبنان (قد يصبح هذا القطاع جزءًا من تلك الثقافة). ولذلك من الضروري إقرار قوانين متطورة لتنظيم القطاع، ومن المهم أيضًا تأمين تطبيقها على نحوٍ مناسب وشفّاف. علاوةً على ذلك، يجب ألا يتسبب الغاز والنفط بتشتيت الانتباه عن أهمية تعزيز مصادر الطاقة المتجددة التي تساهم في استحداث الوظائف وفي الحد من أزمة تلوّث الهواء التي تعاني منها البلاد. على صعيد آخر، وفي إطار إصلاح قطاع الطاقة، يجب النظر جدّيًا في اعتماد اللامركزية في قطاع الطاقة وإفساح المجال أمام المنافسة.

 

الاستدامة الاجتماعية والسياسية

 

نقطة الانطلاق في هذا المجال هي أن لبنان يعاني من عدم مساواة شديدة. تكشف قاعدة البيانات العالمية حول عدم المساواة أن نسبة الـ10 في المئة من الأفراد في أعلى هرم المداخيل حصلت على 54 في المئة من الدخل الوطني في عام 2015، فيما بلغت حصّة الـ40 في المئة في وسط هرم المداخيل 34 في المئة، ولم يحصل النصف الأكثر فقرًا سوى على 12 في المئة. هذا المستوى من اللامساواة هو من الأعلى في العالم، علمًا بأنه يتخطى المستوى في البرازيل ويقترب من المستوى في جنوب أفريقيا. وعلى الرغم من أن هناك صعوبة أكبر في تقدير حجم اللامساواة في توزيع الثروات، يبدو أنه يسجّل أيضًا مستويات قصوى. من أجل الحد من اللامساواة، يجب اعتماد نظام ضريبي أكثر إنصافًا قائم على إعادة التوزيع ودعم الحرَكية الاجتماعية للأجيال، ومحفِّز للعمليات الإنتاجية التي تولّد طلبًا قويًا على مستويات المهارات كافة.

 

لا يجب مطلقًا تصوير السياسات الاجتماعية بأنها عمل خيري؛ إنها حقوق أساسية للمواطنين. فالتعليم والصحة محوريان للعدالة الاجتماعية. ثمة أدلّة دامغة تؤكّد أن القوة العاملة السليمة والمثقّفة تساهم بحد ذاتها في تحقيق الازدهار والنمو على الصعيد الاقتصادي. فضلًا عن ذلك، تؤمّن الخدمات الاجتماعية الوسيلة الأضمن لتحقيق الحرَكية الاجتماعية، ما يتيح بناء مسار يقود إلى النمو الشامل مع تراجع اللامساواة في الدخل مع مرور الوقت.

 

يجب إطلاق عملية واسعة لإصلاح النظام التعليمي (مع التركيز على الجامعة اللبنانية). وعلى نطاق أوسع، ثمة حاجة إلى معالجة التباين الشديد بين المهارات الضرورية لبناء اقتصاد منتج من جهة والمهارات التي تخدم حاليًا الاقتصاد الريعي في لبنان من جهة ثانية.

 

وفقًا لما ورد في الجزء الثاني، يجب ألا يُفهَم مما تقدّم أنه ينبغي أن يكون النموذج في خدمة اليد العاملة ذات المهارات العالية فقط. يجب السعي أيضًا لتوليد فرص لجميع السكان والمناطق. في المدى القصير كما المتوسط، يتطلب ذلك إدارة أفضل لسوق العمل، بما في ذلك تحديد حد أدنى للأجور يؤمّن حياة كريمة، والإفادة من تقديمات الضمان الاجتماعي (وخفض حصّة العمل غير النظامي)، ودعم الحق في التنظيم النقابي. ومن الضروري أيضًا إدارة دخول العمال الأجانب غير الماهرين إلى سوق العمل بطرق تقلّل من الضغوط التي تؤثّر سلبًا في أجور العمّال غير الماهرين. ومع مرور الوقت، ستتراجع حصّة العمّال ذوي المهارات المتدنّية، ما يساهم في تعزيز المساواة فضلًا عن تطور الإنتاج في سلسلة القيمة. وبما أن الحد من اللامساواة يستغرق وقتًا، من الضروري المبادرة باكرًا إلى اتخاذ خطوات ذات مصداقية توضِح أن السياسات الاقتصادية تهتم بتحسين أوضاع الأشخاص على اختلاف مهاراتهم ومناطقهم.

 

يتطلب استقطاب المهارات العالية والاحتفاظ بها، والحفاظ على تمسّك المغتربين بوطنهم الأم، جهودًا من أجل الحفاظ على "البراند" اللبناني الأساسي وتعزيزه، أي ثقافة لبنان وتاريخه وجغرافيته. يجب أن نصل إلى مرحلة حيث يكون الأشخاص مستعدّين للإقامة والعمل في لبنان مقابل رواتب أقل بكثير، مثلًا من خلال إدارة مصنع ذي قيمة عالية في إهدن أو مصنع نبيذ في البقاع أو منشأة صناعية في صيدا بدلًا من العمل في باريس أو دبي.

 

الاعتبارات الاقتصادية البنيوية

 

ثمة اعتبارات اقتصادية "تقليدية" مهمة علينا أن نضعها نصب أعيننا فيما نسعى إلى تحقيق الازدهار في المدى الطويل.

 

أولًا، ستكون للنظام الضريبي الذي سيجري اعتماده نتائج مهمة في المدى الطويل. فالسياسات الاجتماعية التي نتطلع إليها سوف تكون مرتفعة الكلفة. يجب أن تكون زيادة العبء الضريبي (المركَّزة على الأشخاص الأكثر قدرة على تحمّلها) جزءًا من الرزمة الإصلاحية. كذلك، تُقدّم المحفزات الضريبية، إذا استُخدِمت بطريقة مدروسة، أداة مفيدة لتشجيع أنشطة اقتصادية محددة وتحسين أوضاع المناطق التي تعاني من نقص في التنمية. ولكن في الوقت نفسه، ندرك التكاليف الاقتصادية التي تترتب عن استخدام الضرائب كوسيلة أساسية لإعادة توزيع الموارد. لذلك يجب إيلاء اهتمام شديد لإرساء التوازن المناسب.

 

تستدعي السياسات التجارية أيضًا مقايضات مهمة. كان لبنان، على مر تاريخه، اقتصادًا مفتوحًا يَفرض تعرفات منخفضة على الواردات، إنما يجب النظر في اعتماد سياسات حمائية مؤقتة، لا سيما في المرحلة التي تلي مباشرةً الأزمة حين تنطلق إعادة البناء وتعلُّم كيفية الإفادة من سعر الصرف التنافسي.

 

لا يمكن للاقتصاد الحديث أن يزدهر في غياب البنى التحتية الأساسية، أي الموانئ والمطارات ووسائل النقل والطرقات الجيدة، وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، والوصول إلى الطاقة والكهرباء. ثمة حاجة إلى خطة كبرى للبنى التحتية تحدّد الاحتياجات بدقّة، وحجم التمويل المطلوب، ووسائل التمويل (بما في ذلك أنماط الشراكات بين القطاعَين الخاص والعام)، وإطار تنظيم الهيئات والأجهزة المعنيّة.

 

القسم الرابع. السياسة يجب أن تتغيّر

 

لم تتسبب المنظومة السياسية بانهيار البلاد فحسب، بل إنها الآن المعوِّق الأساسي أمام قيام لبنان جديد. لن يُحرز لبنان أي تقدّم في غياب الإصلاحات السياسية.

 

لم ولن تتمكّن المنظومة المذهبية من تنفيذ البرنامج الذي تطرقنا إليه أعلاه. تتطلب إدارة الأزمة توزيع خسائر طائلة والذي يجب أن يطال حكمًا الأوليغارشية نفسها التي تجسّد المنظومة السياسية. هذا فضلًا عن أن السياسات الضرورية لإطلاق عجلة النمو المنتِج والشامل وضمان استدامته تُشكّل تهديدًا قويًا لهيكلية السلطة التي تستند بالكامل إلى توليد الكسب الريعي وتوزيعه، بدلًا من توليد الثروات. ففي غياب تحوّل سياسي حقيقي، قد تُنفَق الموارد التي يجب تخصيصها للتنمية على أنشطة الكسب الريعي في أفضل الأحوال، وعلى مساعدة الطبقة السياسية على التجديد لنفسها والحصول على التمويل في أسوأ الأحوال.

 

ما هي طبيعة المنظومة السياسية التي تنسجم مع رؤيتنا لاقتصاد منتِج في لبنان؟ في الحد الأدنى، يجب أن تحمي هذه المنظومة الحقوق الفردية، أي حقوق الإنسان الجسدية والفكرية. يجب أن تستند الهيكلية السياسية إلى الفعالية والجدارة، وأن تضمن تخصيص الموارد على نحوٍ صحيح ومستحَق. ينبغي إدراج العدالة الاجتماعية والمساواة الجندرية وحماية البيئة في منظومة الحوكمة. وفي أساس ذلك كلّه، يجب أن تتخلّى المنظومة عن السياسة الطائفية بمختلف أشكالها.

 

لا داعي لأن تكون منظومة الحوكمة التي تتمتع بهذه المزايا، مثاليةً منذ البداية. فـ"السياسات الجيدة بما فيه الكفاية" قادرة على توليد أجواء مثمرة، وإبقاء الأمل حيًّا، والدفع باتجاه إحراز تقدّم مع مرور الوقت. ويجب على هذه السياسات أيضًا أن تمنع الانزلاق إلى ديناميكيات خبيثة تقود إلى الفوضى وربما إلى العنف. الأمل في نهاية المطاف هو أن تكون العملية المثمرة التي ستنطلق نتيجة هذه السياسات على قدر كافٍ من القوّة بحيث تقود تدريجًا إلى تحقيق تقدّم وتحوّل سياسي مع مرور الوقت.

 

من أجل تحسين الحوكمة، يجب على المواطنين العمل معًا في سبيل الخير العام. لا تتحقق الحوكمة الرشيدة من خلال القوانين والمؤسسات والانتخابات فقط، بل هي تنبع من قوة الهيئات التي تدافع عن مصالح المواطنين، أي النقابات العمّالية، ونوادي المودعين، والجمعيات الصناعية، والجمعيات النسوية، وأنصار البيئة، والأحزاب السياسية الجديدة.

 

النموذج الذي نقترحه قوامه مواطنون مُتمكِّنون من أجل الجمع بين خصائص لبنان الطبيعية، أي الثقافة والتعليم والجغرافيا وروح المبادرة الفردية والروابط العالمية، وبين التكنولوجيات الجديدة بهدف الابتكار وتحسين الإنتاجية. خلافًا لما شهدناه في السابق، تستطيع الأغلبية الساحقة من اللبنانيين، عمّال ومزارعين وأصحاب مهارات ورأسماليين ومموِّلين في جميع المناطق اللبنانية، أن تحقّق الرخاء والازدهار وتُفيد من المشاركة في بناء اقتصاد منتِج موجَّه نحو الأسواق العالمية. تعود الانقسامات، في جزءٍ منها، إلى التباينات الطائفية التي تؤجّجها سياسة فرّق تسد. ولكن في الجوهر، العجز عن تكييف منظومة الحوكمة مع مصالح اللبنانيين الطويلة الأمد مردّه أيضًا إلى عدم إدراك المواطنين لأهمية تشكيل ائتلاف واسع وعابِر للطوائف من أجل التغيير التدريجي، ولِما يستطيع هذا الائتلاف أن يحققه من أجل مستقبلهم، وهو موضوع هذه الورقة والدافع لإعدادها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



الحلقات



معرض الصور